بالبدايةِ أستأذِنُ القُراءَ الأعزاء بالحديثِ عن موضوعٍ كُنّا نَودُّ لو لم تدفعنا إليهِ الحاجة ، فالصمتُ أحياناً يتحولُ إلى تفريطٍ بالحق ، والسكوتُ قد يُفهَمُ رِضاً بما لا نرضاه .
ما شَهدناهُ ونشهَدُهُ اليومَ ، من سَيلٍ جارف من المقاطِعِ والمنشورات التي تُغذي التَهجُمّ والتأليب على وزارة التربية والتعليم ، مُمثلةً برموزها ، ما هو إلا استنزاف لرصيدنا المعنوي ، وفتحٌ مجاني لأبوابٍ نحنُ أولى بإغلاقها ، فليس هُناكَ أخطر على المجتمع ، من أن يتصدّر المشهد البعض ممن لا يملكونَ عِلمَاً حقيقياً ، ولا تاريخاً من العطاء ، فيظنونَ أنفسهم نِدّاً لأهلِ الخبرةِ ، وأصحاب الإنجاز
فهُم يُسارعونَ إلى إطلاقِ الأحكام دونَ أدنى معرِفَة أنَّ هناكَ فرقٌ شاسع بينَّ الوعي الذي يصونُ الأوطان ، والإندفاع الذي يُورطها .
إنَّ ما طرأَ من تغييرٍ ، سواءٌ كانَ مُتعلِقاً بالطالبِ أو المنهج أو الإدارةِ بالمُطلق ، لا يُنظَرُ إليهِ كقرار ، بل في الرسالةِ التي يُمكِنُ أن يحملها ، اذا ما احسنَّا قراءتها ، فهي تُؤسِس لمعنى أعمق ، وأنَّ المعيار الذي ينبغي أن يَحكُمَ شغلَ المواقع العامةِ هو الكفاءةَ والقدرةَ والنزاهة ، لا الإعتبارات الأخرى التي أرهقت مؤسساتنا وأضعفت ثِقَةَ الناسِ بها .
وبعيداً عن لُغةِ المديح ، وإن كانَ معالي الوزير يستحِق الثناء ، فقد جمعَ بين أصالةِ العالِم ، وحكمَة رجل الدولة ، وسمو المُربي الفاضل ، وكذلكَ أصحابَ العطوفةِ الأمناء ، فلا يسعُ المُنصِف إلا أن يقفَ احتراماً لِكُلِّ جهدٍ صادقٍ بذلوه ، فقد علمونا أنَّ أصحابَ الإنجاز ، لا يحتاجونَ إلى مواجهَةِ خُصومهم ، فالإنجاز شاهداً أصدق من الكلام ، والوقائعُ لا تُجاملُ أحدا
وليس من مقتضياتِ العدلِ أن تُطمسَ الحقائق ، لأنَّ القائمينَ عليها لا يُوافقنَ أهواء البعض ، فالإنصاف قيمةٌ لا تتجزأ ، ولأنَّ الأوطانَ أكبرُ من الأشخاص ، فإنَّ من الأمانةِ أن يُقال الحقُ كما هو بعيداً عن الخُصومة .
فمنَ المؤلمِ حقاً ، أن بخرج صاحِبَ غرضٍ أو مُتكسب ، فينسجَ حديثاً لا يمِتُ إلى الواقع بِصله ، ثمَّ لا يلبَثُ أن نجِدَ من يتلقفُه ، فيُذيعه ويستصرخ الناسَ به ، والأشدُ إيلاماً أنَّ البعضَ يُعطِلونَ عقولَهُم طواعيةً ، ويمنحونَ ثقتهم لِكُلِّ ناقل ، فالوشاية لا تنتشرُ بِقوّةِ مُطلقها ، وإنما بضعفِ عُقولِ مروجيها .
فلنكُن أصحابَ عقولٍ تُحَكِّمُ الدليل ، ولنجعل من التثبُتِ منهجاً ، ومن الإنصافِ خُلُقاً ، ومن العقلِ قائداً ، فليس كُلُّ ما يُنقلُ يستحقُ أن يُروى .
فليسَ أخطرَ ما يُهددُ الأوطانَ رصاصةً تُطلَق ، ولا حُدوداً تُخترَق ، بل فكرةً تتسلّلُ إلى العقول .
وليعلم الجميع أنَّ قُدسيةَ هذه المؤسسة ، ليس بأنها مكانُ عملٍ فقط ، بل هيَّ انتماءٌ لشيءٍ أكبرُ من الذات ، ورسالةَ نورٍ وهداية ، وصناعةَ أجيال ،
ومن المؤسفِ حقاً أن يغيبَ الوعيُ ، في وقتٍ تتسِعُ فيه دوائر الخطرِ الذي يتهددُ الأردنَّ الحبيب ، في زمنٍ تتسارعُ فيهِ الكلمة أكثر من الحقيقةِ ، ويتقدمُ الصوتُ على المعنى ، ينبغي أن يكونَ اختلافُنا تَنوعاً ، وانتماؤنا تكامُلاً ، وتنافسنا عطاءً ، وولاؤنا للأردنِّ جامعاً.
فالأردنُّ أولاً ، لا شِعاراً يُقال ، بل انتماء يُمارس ، وولاءً لا يتجزأ ،
حمَى الله الأردنَّ ، وقيادتهُ الهاشميةَ ، وشعبهُ الطيب المِعطاء …… آمين
والسلام عليكم
د. منيرة حسن الشديفات
مدير الشؤون الإدارية والمالية في تربية الزرقاء الاولى
