يحتوي جسم الانسان على منظومة معقدة تضم قرابة 30 تريليون خلية تتوزع على مئات الانواع المختلفة ولكل منها وظيفة بيولوجية محددة تمليها الشفرة الوراثية داخل النواة. وتكشف الدراسات ان هذه الخلايا لا تملك عمرا افتراضيا موحدا بل تتباين بشكل لافت بين خلايا تتلاشى وتستبدل في غضون ايام واخرى تبقى رفيقة للانسان منذ لحظة الولادة وحتى الوفاة. وتثير هذه التباينات تساؤلات جوهرية حول مدى صحة المقولة الشائعة التي تدعي ان اجسادنا تستبدل نفسها بالكامل كل سبع سنوات.
واوضحت الابحاث العلمية ان خلايا الدم البيضاء تعتبر من اسرع الخلايا تجددا حيث تنتهي دورة حياتها في غضون ساعات او ايام قليلة لضمان استمرارية الاستجابة المناعية وحماية الجسم من مسببات الامراض. وبينت التقارير ان خلايا الدم الحمراء تتبع نهجا مختلفا اذ يتم استبدالها كل اربعة اشهر تقريبا للحفاظ على كفاءتها في نقل الاكسجين وتادية وظائفها الحيوية بشكل مستقر.
واكدت الدراسات ان الخلايا الظهارية المبطنة للامعاء لا تعمر اكثر من خمسة ايام نظرا لطبيعة عملها القاسية واحتكاكها المباشر بالغذاء والاحماض الهضمية. بينما تشير البيانات الى ان خلايا الجلد الخارجية تتجدد في دورة تستغرق نحو عشرين يوما وقد تتباطأ هذه العملية مع تقدم العمر لتزيد المدة بنسبة ملموسة في المناطق الاكثر عرضة للعوامل الخارجية.
خلايا ترافق الانسان طوال العمر
وكشفت التحليلات ان هناك فئة من الخلايا تمتلك قدرة مذهلة على البقاء لفترات طويلة جدا تمتد لسنوات او حتى مدى الحياة. واضاف الباحثون ان خلايا الذاكرة التائية الموجودة في الجهاز اللمفاوي والرئتين يمكن ان تعيش لسنوات طويلة مما يعزز قدرة الجسم على تذكر التهديدات الفيروسية السابقة.
واظهرت المتابعات ان خلايا الكبد تعيش في المتوسط اقل من ثلاث سنوات وهو معدل يتماشى مع الدور الحيوي والمجهد الذي يقوم به الكبد في عمليات التمثيل الغذائي وتنقية الجسم. وبينت الملاحظات ان خلايا القلب تظهر نمطا بطيئا جدا في التجدد حيث لا يتجاوز معدل استبدالها واحدا بالمئة سنويا في مرحلة الشباب مما يعني ان جزءا كبيرا من عضلة القلب يظل كما هو طوال حياة الفرد.
واشار المختصون الى ان الخلايا العصبية في المخيخ تعتبر من بين الاطول عمرا اذ تشير التقديرات الى انها ترافق الانسان منذ الطفولة ولا تتجدد بعد اكتمال نموها. واكدت الدراسات ان هذا التباين الكبير في اعمار الخلايا ينسف فكرة التجديد الشامل للجسم في فترة زمنية ثابتة ومحددة.
هل تتجدد خلايا الدماغ والذاكرة
وكشفت الابحاث ان الجدل لا يزال قائما حول قدرة منطقة الحصين في الدماغ على توليد خلايا عصبية جديدة طوال حياة الانسان. واضاف العلماء ان الخلايا الدبقية الدقيقة التي تلعب دورا مناعيا في الدماغ تتجدد ببطء شديد وبمعدل يصل الى 28 بالمئة سنويا مما يضمن استبدال معظمها خلال العقود الاولى من العمر.
وبينت النتائج ان التفاوت في معدلات التجدد يعكس حاجة كل عضو لآليات ترميم خاصة به تتناسب مع وظيفته وحجم الضغوط التي يتعرض لها. واكدت الدراسات ان الجسم لا يملك ساعة بيولوجية موحدة تنهي وجود كل الخلايا في توقيت واحد مما يجعل فكرة تجديد الجسم بالكامل مجرد تصور غير دقيق علميا.
واوضحت التقارير ان استمرار الشيخوخة رغم تجدد الخلايا يعود الى تراكم الطفرات الجينية والاخطاء في تضاعف المادة الوراثية عبر الزمن. واضاف الخبراء ان البيئة الجسدية التي تعمل فيها الخلايا الجديدة تزداد تدهورا مما يقلل من كفاءة الاصلاح ويجعل الجسم يظهر عليه تقدم العمر رغم انقسام الخلايا.
حقيقة الخرافة السبعية
واكدت المصادر العلمية ان فكرة السنوات السبع نشأت كنوع من التبسيط المخل لنتائج دراسات حول متوسط عمر الخلايا. وبينت ان هذه المقولة استندت الى قراءات غير دقيقة لبيانات علمية حول معدلات التجدد في انسجة متنوعة.
واضاف الباحثون ان الجسم لا يبدأ من جديد ولا يستعيد شبابه بمجرد مرور سبع سنوات. وشدد العلماء على ان التركيز يجب ان ينصب على تعزيز صحة الخلايا الحالية وتقليل تراكم التلف الجزيئي بدلا من انتظار تجديد شامل لن يحدث.
وبينت الخلاصة ان جسم الانسان هو نظام ديناميكي متوازن تتجدد اجزاء منه باستمرار بينما تحتفظ اجزاء اخرى بذكرياتها البيولوجية لسنوات طويلة. واكدت الدراسات في ختامها ان فهم هذه العمليات يساعد في تطوير استراتيجيات افضل لمكافحة امراض الشيخوخة والحفاظ على وظائف الاعضاء الحيوية.
