سعيد الصالحي
لو وقفت ذات يوم أمام صرح عظيم كالمدرج الروماني، ثم أغمضت عينيك لبرهة من الوقت وأنت تتخيل كم سنة مرت وهذا المدرج يتوسط المدينة، وعندما تفتح عينيك تجد أن المدرج قد اختفى، ولا ترى عيناك سوى سفح الجبل الحجري، تفرك عينيك لتتأكد، ثم توقف أحد المارة وتسأله عن المدرج الذي ذاب بين الصخور، فينظر إليك مستغربًا، ويلتفت إلى حيث أشرت، ويقول لك:
«لم يوجد هنا مدرج في يوم من الأيام، سلامة نظرك وعقلك يا أخي، وإذا كنت متعبًا فسيارتي قريبة، أستطيع أن أقلك معي إذا وددت.»
تعتذر من الرجل وتشكره على لطفه، وتعود إلى فرك عينيك من جديد، لعل المدرج يخرج منهما مرة أخرى. تحمر العينان، وتتساقط الدموع، ويبقى السفح أجرد بلا مدرج وبلا رسم دخول.
للحظة تتخيل أنك في حلم طويل، أو ربما في مشهد عبثي تخيله عقلك وأسقطه أمام عينيك، وتحاول أن تقنع نفسك بأنك لست على ما يرام، وربما قد أصبت وحدك بداء عمى المدرجات.
تدير ظهرك للسفح، ثم تلتفت بحركة مباغتة لعلك تقبض على الأدراج وهي تصطف في مكانها بعد أن كانت تشاكسك للحظات، فحتى الحجارة تحب المقالب والسخرية. تطيل النظر، فلا ترى شيئًا.
تعود إلى بيتك مسرعًا، تندفع نحو خزانة ذكرياتك، تقبض على ألبوم الصور، وتقلبه بسرعة للبحث عن صورة قديمة، صورة التقطها صديق لك في رحلة مدرسية. تمسك الصورة وتبدأ في البكاء، فالمدرج قد فر من الصورة أيضًا.
وبعد أن تعود إلى رشدك، تبدأ بالتفكير في حل لهذه المعضلة، وفجأة تصيح بفخر: «وجدتها! لقد اختفى كما اختفى عرش بلقيس.» وقبل أن تسعد بالإجابة، تتذكر أن الناس لا تذكر ما تذكره أنت، وستقول: لو اختفى وحسب، سأجد شخصًا واحدًا على الأقل يتذكره مثلي.
وتبدأ بالاتصال بأصحابك وجيرانك، ولكنك لا تجد لديهم أية إجابة.
تغلق هاتفك، وتغلق ألبوم الصور، وتحاول أن تفتح قلبك وعقلك للحقيقة، والحقيقة تقول: كل ما تراه وهم، ولا أثر للحقيقة.
في اليوم التالي تعود إلى المكان، لا تعرف لماذا عدت. ربما لأنك لم تصدق عينيك، وربما لأنك أردت أن تمنح نفسك فرصة أخيرة قبل أن تسلّم بأن المدرج لم يكن موجودًا إلا في رأسك.
تقف أمام السفح الحجري طويلًا. لا مدرج، ولا مسرح، ولا مقاعد، ولا حجارة منحوتة. لا شيء سوى الجبل، واقفًا في مكانه كأنه لم يسمع بحكايتك أصلًا.
وبينما أنت واقف هناك، تلاحظ سائحًا يحمل خريطة قديمة. يتوقف في المكان نفسه، ينظر إلى الخريطة، ثم يرفع رأسه إلى السفح، ويبدو عليه شيء من الحيرة.
تقترب منه وتسأله إن كان يبحث عن شيء.
ينظر إلى الخريطة ثم إلى السفح، ويقول: «كنت أبحث عن المدرج.»
تتسع عيناك، وتسأله: «أي مدرج؟» فيشير إلى المكان نفسه.
تنظر إليه طويلًا، ثم تبتسم.
وتقول له: «أي مدرج؟ فالسماء لم تمطر حتى تنمو المدرجات»
