قراءة تحليلية في خطاب جلالة الملك امام الجمعية العمومية للام المتحده في دورتها الحادية والثمانين
ليس أصعب على العالم من أن يسمع الحقيقة ثم يتصرف وكأنه لم يسمعها، ولا أخطر على قضية عادلة من أن تتحول مأساتها، مع كثرة التكرار، إلى مشهد مألوف يمر أمام العيون دون أن يغيّر شيئاً.
من هنا يمكن قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. فالملك لم يذهب إلى نيويورك ليعيد على العالم ما يعرفه، ولم يكن بحاجة إلى تعريف الحاضرين بما يجري في غزة أو الضفة الغربية أو سوريا، بل وضع أمامهم سؤالاً أكثر صعوبة: ماذا يعني أن يعرف العالم ما يحدث، ويراه بالصوت والصورة، ويمتلك أدوات التحرك، ثم يسمح باستمراره؟
ولهذا لم يكن اختيار جلالته لـ«الانتباه» مدخلاً للخطاب أمراً عابراً. فقد أشار إلى تراجع متوسط مدة انتباه الإنسان أمام الشاشة من نحو دقيقتين ونصف عام 2004 إلى 47 ثانية اليوم، قبل أن ينقل الفكرة من عالم التكنولوجيا إلى السياسة، ويصف الانتباه بأنه مورد جيوسياسي؛ لأن ما يختار المجتمع الدولي أن يمنحه اهتمامه قد يحدد أي قضية تبقى حاضرة على جدول الأعمال وأي مأساة تتراجع إلى الهامش.
وهنا تكمن إحدى أعمق رسائل الخطاب: العالم لم يعد يعاني نقصاً في المعلومات، بل نقصاً في تحويل المعرفة إلى فعل.
نحن نعيش زمناً تصل فيه صورة طفل تحت الأنقاض إلى ملايين الشاشات خلال ثوان، ثم تزاحمها بعد ساعات قصة أخرى وأزمة أخرى وحرب أخرى. لكن اختفاء المأساة عن الشاشة لا يعني أنها انتهت، وخروجها من العناوين لا يعيد مهجّراً إلى منزله، ولا يطعم جائعاً، ولا يوقف حرباً.
ولهذا جاءت العبارة الملكية شديدة الدلالة: «فما نهمله اليوم، غالباً ما يشكل مستقبلنا».
ومن هذه الفكرة انتقل الخطاب إلى القضية الفلسطينية، باعتبارها المثال الأكثر وضوحاً لما يحدث عندما تتحول إدارة الأزمة إلى بديل عن حلها.
فعلى مدى عقود، جرى التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها صراعاً يمكن احتواؤه وتأجيل استحقاقاته. هدنة بعد أخرى، ومفاوضات تتوقف ثم تعود، وقرارات وإدانات دولية، فيما كانت الوقائع على الأرض تتغير، حتى أصبح ما قُدّم يوماً باعتباره مؤقتاً جزءاً من واقع دائم.
وهذا تحديداً ما حذر منه الملك عندما أشار إلى أن المجتمع الدولي اختار احتواء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلاً من التصدي لحله.
وفي غزة، كانت لغة الخطاب واضحة ومباشرة. تحدث جلالته عن الضحايا، وعن استهداف المستشفيات الميدانية الأردنية، وعن تدمير البنية التحتية وتضييق المساحة المتاحة للفلسطينيين، لكنه لم يعزل ما يحدث في القطاع عما يجري في الضفة الغربية.
فالرسالة كانت واضحة: غزة والضفة ليستا قصتين منفصلتين. التدمير في غزة، والاستيطان ومصادرة الأراضي والضم الفعلي في الضفة، تقود جميعها إلى نتيجة سياسية واحدة: تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وهنا لا يعود الحديث فقط عن حرب يجب أن تتوقف، بل عن مستقبل قضية بأكملها.
كما أعاد الملك النقاش إلى جوهر الصراع عندما رفض وضعه في إطار ديني، مؤكداً أنه ليس حرباً بين الإسلام من جهة واليهودية والمسيحية من جهة أخرى، وإنما قضية حقوق لشعب فلسطيني، مسلمين ومسيحيين.
واستعاد في هذا السياق مبادرة السلام العربية لعام 2002، في تذكير واضح بأن العرب قدموا منذ سنوات طويلة مساراً سياسياً يقوم على السلام والتطبيع مقابل إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية.
لكن الخطاب لم يتوقف عند تشخيص المشكلة، بل ذهب إلى السؤال الأكثر حساسية: إذا كان العالم يعرف، فلماذا لا يتحرك؟
هنا انتقل الخطاب من المناشدة إلى المساءلة.
فالملك لم يقل إن المجتمع الدولي يفتقد الوسائل، بل ذكّر بأن هناك أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية استُخدمت في قضايا أخرى، من العقوبات وتجميد الأصول إلى الحظر والعزل الدبلوماسي. وبذلك تصبح المسألة مرتبطة بإرادة استخدام هذه الأدوات، لا بغيابها.
وهذه نقطة تتجاوز فلسطين إلى أساس النظام الدولي نفسه.
فالقانون الدولي لا تُقاس قيمته بعدد القرارات والاتفاقيات الصادرة باسمه، وإنما بقدرته على العمل عندما يصبح تطبيقه مكلفاً سياسياً. وإذا أصبح صارماً في قضية وقابلاً للتجاوز في أخرى، فإن الضرر لا يصيب الضحية وحدها، بل يصيب ثقة العالم بالمنظومة كلها.
ومن فلسطين انتقل الملك إلى دائرة تمس الأردن بصورة مباشرة: سوريا، والحدود الشمالية، والمياه.
هنا لم يعد الحديث مجرد موقف دبلوماسي أردني تجاه أزمة خارجية. فقد حذر جلالته من التوغلات وفرض الوقائع الجديدة في جنوب سوريا، ومن المساس بمصادر المياه، ثم رسم الخط بوضوح عندما أكد أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي الأردني هو تهديد للأمن القومي، وأن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.
وهذه رسالة لا تحتمل الالتباس.
الأردن دولة قامت سياستها الخارجية على الاعتدال والدبلوماسية والحوار، لكنها في الوقت ذاته تفرق بين البحث عن السلام وبين التفريط بالمصالح الوطنية. ولذلك جاءت رسالة الملك واضحة: التمسك بالدبلوماسية لا ينبغي أن يُقرأ ضعفاً.
ومع الحديث عن حرب إيران، اتسعت زاوية الخطاب. فالملك ربط بين الاضطراب في المنطقة وبين التجارة والاستثمار والطاقة والغذاء وحياة الناس، مؤكداً أن الحروب الحديثة لا تبقى داخل حدود الدول التي تخوضها.
فالشرق الأوسط ليس جزيرة منفصلة عن العالم، وأمنه ليس شأناً يخص سكانه وحدهم. عندما تضطرب الطاقة أو التجارة أو سلاسل الإمداد، تصل الكلفة إلى اقتصادات وشعوب تبعد آلاف الكيلومترات عن ساحات القتال.
وسط كل ذلك، قدم الخطاب أيضاً تصوراً واضحاً للدور الذي يريده الأردن لنفسه.
فالأردن لا يريد أن يعيش أسيراً للأزمات المحيطة به. هو يعمل على تعزيز موقعه كحلقة وصل بين الخليج والبحر المتوسط، ومركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، وفي الوقت نفسه يواجه الإرهاب وتهريب المخدرات، ويطور قدراته الدفاعية، ويتمسك بدعم الفلسطينيين والأونروا وبالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
أي أن معادلة الدولة الأردنية، كما ظهرت في الخطاب، تقوم على مسارين متوازيين: حماية الحاضر وبناء المستقبل.
وهذا ربما ما يلخص الموقف الأردني كله. الأردن يريد السلام، لكنه لا يريد سلاماً يقوم على تجاهل حقوق الشعوب. يريد الحوار، لكنه لا يقبل أن يُفهم الحوار باعتباره ضعفاً. يتمسك بالدبلوماسية، لكنه يضع أمن حدوده ومياهه ومصالح شعبه ضمن خطوط واضحة.
ثم عاد الملك في ختام خطابه إلى الفكرة التي بدأ منها، ولكن من زاوية أعمق.
فالمشكلة لم تعد الانتباه وحده، بل أصبحت الثقة.
الثقة بين الدول، والثقة بالاتفاقيات، والثقة بأن القانون سيُطبَّق عندما يُنتهك، وأن المبادئ لن تتغير باختلاف الضحية أو بتغير اهتمام وسائل الإعلام.
ومن هنا تكتمل صورة الخطاب.
لقد بدأ بـ47 ثانية هي متوسط الانتباه أمام الشاشة، وانتهى بسؤال يتعلق بمستقبل النظام الدولي كله.
بين البداية والنهاية كانت فلسطين وغزة والضفة وسوريا وحرب إيران والأمن المائي الأردني والأونروا والقدس والتجارة والتكنولوجيا والقانون الدولي، لكنها لم تكن عناوين متفرقة. كان بينها خيط واحد: ماذا يحدث عندما يعرف العالم الخطر، ثم يعتاد وجوده؟
ولهذا فإن قراءة خطاب الملك باعتباره خطاباً عن فلسطين وحدها تضيق معناه، كما أن قراءته باعتباره رسالة إلى إسرائيل وحدها لا تكفي.
فالخطاب، في جوهره، كان رسالة إلى النظام الدولي كله: لا يكفي أن تعرفوا، ولا يكفي أن تشاهدوا، ولا يكفي أن تصدروا القرارات. قيمة كل ذلك تبدأ عندما يتحول إلى موقف، وإلى قانون يُطبَّق، وإلى فعل يمنع أن يصبح الاستثناء قاعدة، والمؤقت دائماً.
وهنا يستعيد عنوان هذه القراءة معناه:
لقد أسمعت لو ناديت حيّاً
ولكن لا حياة لمن تنادي
إلا أن مفارقة عصرنا أن العالم يسمع، ويرى، ويعرف.
ولذلك لم يعد السؤال: هل وصل النداء؟
بل أصبح السؤال أثقل:
إذا كان العالم قد سمع كل شيء، ورأى كل شيء، ويملك من الأدوات ما يستطيع به أن يفعل شيئاً، فما الذي ينتظره؟
ربما كانت تلك أهم رسالة بقيت بعد أن أنهى الملك خطابه وغادر المنصة: أن أخطر ما يمكن أن يحدث للعالم ليس أن تفاجئه الأزمات، بل أن تكون التحذيرات أمامه، والحقائق أمامه، والنتائج واضحة أمامه، ثم يكتشف بعد فوات الأوان أن ما تجاهله بالأمس هو الذي صنع واقعه اليوم.
