بقلم : نضال فيصل البطاينة
في السياسة، ليست القوة دائماً في السلاح والجيوش أو المال، فأحياناً تكون القوة في قدرتك على تحديد ما يراه الناس وما الذي يناقشونه، وما الذي يغضبهم وما الذي يتذكرونه أو ينسونه، فهذا يسمى قوة الانتباه أو قوة جلب الإنتباه “Power of Attention”، وهذه القوة الصامتة التي أصبحت في عصر المنصات أهم أدوات النفوذ السياسي، فمفهوم المعركة اليوم ليس فقط على الأرض بل على الشاشة والعنوان والصورة والرواية؛ فمن يحدد السؤال يملك جزءاً من الإجابة، ومن يفرض موضوع النقاش يستطيع أن يرتب الأولويات، والأخطر من ذلك أن السيطرة على الانتباه لا تحتاج دائماً إلى إخفاء الحقيقة بل يكفي إغراقها بالضجيج أو إنتشالها منه، فقضية صغيرة تتصدر المشهد ثم أخرى ثم ثالثة حتى يصبح المجتمع مشغولاً بكل شيء ولا يرى الشيء الأهم وهذا مثلا أصبح يسمى الإلهاء السياسي.
فالأردن مثلا في قلب إقليم مشتعل: حروب، صراعات، مشاريع نفوذ، أزمات اقتصادية، وحروب رواية لا تقل أهمية عن حروب الميدان. لذلك لا يجوز أن يصبح جدول أعمال الدولة رهين
للترند، ولا أن تتحول السياسة إلى رد فعل على ما تفرضه المنصات، فليس كل ما يثير الضجيج مهماً، وليس كل ما هو مهم صاخباً، حيث أن هناك فرق جوهري بين الترند والخطر، وبين الجدل والمصلحة الوطنية، وبين القضية العابرة والقضية التي تمس أمن الدولة ومستقبلها.
الدولة القوية لا تدخل كل معركة؛ بل تختار معاركها، وتحدد أولوياتها، وتتحدث عندما يجب أن تتحدث، وتصمت عندما يكون الصمت أكثر حكمة، فالشفافية قوة، لكن الاستجابة لكل ضجيج ضعف، وهنا يأتي دور الوعي الوطني والإعلام؛ فالصحافة ليست مصنعاً للضجيج بل وظيفتها أن تميز بين المهم والمثير، وبين الخبر والرواية، وبين النقد والتضليل، من جانب آخر ليس كل ما يحصد ملايين المشاهدات يستحق أن يحتل الوعي الوطني، وفي زمن الخوارزميات، يصبح الأمن الوطني أوسع من حماية الحدود، فيجب أيضا حماية الوعي من التضليل، وحماية القرار من التشتيت، وحماية المجتمع من الاستنزاف، ولهذا يجب أن يكون الموقف الأردني واضحاً: أجندتنا الوطنية لا تُكتب على منصات التواصل، ولا تُحددها موجات الغضب، ولا يرسم أولوياتها من يملك أعلى صوت.
الأردن الدولة يحدد مصالحه بنفسه، ويبني قراره على ضوء حساباته الوطنية، ويتعامل مع الإقليم من موقع الدولة صاحبة القرار لا من موقع المتلقي لجدول أعمال الآخرين، فالدولة لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج، بل إلى بوصلة سياسية واضحة: ما الذي نحميه؟ ما الذي نريده؟ وما الذي نرفض أن يُفرض علينا؟ لأن الرابح هو من يملك الإنتباه ويوجهه في عالمٍ واقعيّ تحكمه نظرية في العلاقات الدولية تسمى
“ Correction and deterrence diplomacy”
، فيريد البعض أن يختر لك ما تفكر به أو يجعلك تتجاوز بعض القضايا وتوجه البوصلة نحو قِبله محددة!
لذلك ينبغي أن يعلم الجميع أن أول فعل من أفعال السيادة هو أن نختار نحن ما يستحق أن نفكر به، فالأردن لا يحتاج إلى اختيار العالم على أساس ثنائية "معنا أو ضدنا"، بل يحتاج إلى توسيع هامش المناورة ما يؤدّي إلى زيادة الخيارات المتاحة أمام الدولة، وهذا بحد ذاته سلاح من أسلحة الردع، لأن الدولة التي تمتلك خيارات أكثر تكون أقل قابلية للإكراه والضغط عليها .
أعتقد - كتحليل شخصي يحتمل الخطأ أو الصواب - أن هذه طريقة تفكير جلالة الملك وتناوله للأمور حسب ما اتضح لي من نهجه الواضح من خلال افعاله ومواقفه وخطاباته وخاصة الأخير منها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ففي تقديري كمواطن متابع ، يبدو أن جلالة الملك يدرك أن معركة الأردن ليست فقط في ما يُقال عنه، بل في ما يُراد له أن ينشغل به؛ لذلك نراه يحافظ على بوصلة القرار الوطني، ويوسّع هامش المناورة، ويرفض أن تُفرض على الأردن أجندات الآخرين ولو كانوا يملكون القوة والمفاتيح، لأن امتلاك الدولة لخياراتها هو أحد أهم مصادر قوتها وردعها.
حمى الله الأردن شعبا وأرضاً وقيادة، وسياجه قواته المسلحة وأجهزته الأمنية.
