بقلم : م نبيل إبراهيم حداد


الموقف السياسي الأردني واضح، والمستشفيات الميدانية موجودة، والمساعدات تعبر من أراضيه، والدبلوماسية الأردنية تضع القضية الفلسطينية في صدارة تحركاتها.
لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه بهدوء هو: هل تتناسب مساهمتنا المادية الوطنية المباشرة مع عمق العلاقة التي تربط الأردن بفلسطين، ومع حجم المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني؟
هذا السؤال لا ينتقص من الجهد الأردني، بل يسعى إلى البناء عليه.
الأردن يقدم عملاً إنسانياً حقيقياً لا يجوز تجاهله. فالمستشفيات الميدانية الأردنية في غزة تواصل تقديم العلاج، كما يستقبل الأردن مرضى وجرحى من القطاع ضمن «الممر الطبي الأردني». ففي آب 2026 أعلنت القوات المسلحة الأردنية إجلاء الدفعة الثلاثين من أطفال غزة المرضى، وضمت 50 مريضاً و78 مرافقاً، بعد أن بدأت عمليات الإجلاء في آذار 2025 بالتعاون مع وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية.
وفي حزيران الماضي أرسلت القوات المسلحة عشر شاحنات محملة بالأدوية والمستلزمات الطبية ومعدات الأطراف الصناعية لدعم المستشفيين الميدانيين الأردنيين في غزة.
هذه مساهمة حقيقية ومقدرة.
الموقف السياسي مهم… لكنه ليس كل شيء
ربما لا توجد قضية خارج الحدود الأردنية تحظى في الخطاب السياسي الأردني بالمساحة التي تحظى بها فلسطين.
فالقدس، والوصاية الهاشمية، وحل الدولتين، ورفض الاستيطان والتهجير، والدعوة المستمرة إلى إقامة الدولة الفلسطينية، كلها قضايا مركزية في السياسة الخارجية الأردنية.
لكن المواقف السياسية، مهما بلغت أهميتها، تختلف عن الدعم المادي المباشر.
والقضية هنا ليست مطالبة الأردن بتحمل مسؤولية فلسطين وحده، ولا تحميل اقتصاده ما لا يحتمل.
فالأردن دولة محدودة الموارد، تواجه مديونية وضغوطاً اقتصادية ومائية واجتماعية معروفة. ولذلك فإن مطالبة الحكومة وحدها بتخصيص مئات الملايين من الدنانير للمساعدات الخارجية قد لا تكون واقعية.
لكن المجتمع الأردني أكبر من الموازنة العامة.
لدينا قطاع مصرفي قوي، وشركات اتصالات كبرى، وشركات صناعية وتجارية، ونقابات مهنية، وجامعات، ومستشفيات، وشركات أدوية ومقاولات وهندسة، إضافة إلى مجتمع مدني قادر على التنظيم والعطاء.
وهنا يصبح السؤال مختلفاً:
هل استخدمنا كامل قدراتنا الوطنية لمساعدة الفلسطينيين؟
الأرقام القادمة من غزة تظهر حجم الحاجة الهائل.
ففي أيلول 2026 قالت منظمة الصحة العالمية إن 19 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في غزة كانت تعمل ولو جزئياً، بينما لم يكن أي مستشفى يعمل بطاقته الكاملة، وسط نقص حاد في الأدوية والمعدات والوقود.
كما قدرت الأمم المتحدة أن نحو 1.98 مليون شخص، أي ما يقارب 94% من سكان القطاع، يحتاجون إلى مساعدات في مجال الإيواء والاحتياجات غير الغذائية.
أما في مجال الغذاء، فقد أشارت تقديرات نشرتها الأمم المتحدة إلى احتمال ارتفاع عدد من يواجهون مستوى «الأزمة» أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي إلى نحو 1.4 مليون شخص خلال النصف الثاني من عام 2026.
أمام هذه الصورة، يصبح من الطبيعي أن نسأل إن كان بإمكان الأردن الانتقال من التضامن والمساعدة الطارئة إلى برنامج وطني أكثر تنظيماً واستدامة.
صندوق وطني أردني لفلسطين؟
ليس المطلوب مجرد صندوق لجمع التبرعات، وإنما آلية وطنية مؤسسية وشفافة تستطيع توجيه مساهمات الأفراد والبنوك والشركات والمؤسسات إلى مشاريع محددة وقابلة للقياس.
يمكن أن تشمل هذه الأولويات علاج المرضى، وتعليم الطلبة، وتوفير الأدوية، ودعم المستشفيات، وإعادة تأهيل مرافق المياه، وتمويل مشاريع صغيرة تساعد الأسر الفلسطينية على استعادة مصادر دخلها.
وعندما يعرف المواطن أو الشركة أن ما يقدمه سيذهب إلى مشروع محدد، وأن النتائج منشورة ومتاحة للرقابة، يصبح العطاء أكثر ثقة واستدامة.
ماذا يستطيع الأردن أن يقدم غير المال؟
الميزة الأردنية ليست مالية فقط.
فالأردن يمتلك خبرات قد تكون قيمتها، على المدى البعيد، أكبر من قيمة بعض المساعدات النقدية قصيرة الأجل.
الأطباء الأردنيون يستطيعون علاج المرضى وتدريب الكوادر الفلسطينية.
والجامعات تستطيع منح مقاعد للطلبة الذين تعطلت دراستهم.
وشركات الأدوية تستطيع تخصيص إنتاج دوري للمستشفيات الفلسطينية.
والمهندسون يمكنهم المساهمة في تصميم وإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والطاقة التي تعرضت للتدمير.
كما تستطيع شركات المقاولات والصناعة مستقبلاً المساهمة في إعادة الإعمار، ليس بالتبرع فقط، وإنما من خلال نقل المعرفة والخبرة وبناء القدرات الفلسطينية المحلية.
أما النقابات المهنية، فيمكن أن تنتقل من البيانات التضامنية إلى إطلاق برامج مهنية مستدامة لخدمة قطاعات محددة في فلسطين.
من الإغاثة إلى بناء القدرة
من المهم أيضاً ألا يبقى الدعم محصوراً في الطعام والدواء.
فالإغاثة ضرورية عندما يكون الإنسان جائعاً أو جريحاً، لكنها لا تستطيع وحدها بناء مستقبل.
فبدلاً من تمويل الغذاء فقط، يمكن دعم الإنتاج الغذائي.
وبدلاً من معالجة المريض فقط، يمكن أيضاً تدريب الطبيب.
وبدلاً من تقديم مساعدة مالية مؤقتة للطالب، يمكن منحه فرصة لإكمال تعليمه.
وبدلاً من إرسال صهريج مياه، يمكن المساهمة في إعادة بناء شبكة المياه.
وهكذا يتحول الدعم تدريجياً من الاستجابة للأزمة إلى تعزيز قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود والاستمرار.
فلسطين ليست ملفاً خارجياً بالنسبة للأردن
الأردنيون والفلسطينيون لا تربطهم الجغرافيا وحدها.
بين الشعبين روابط أسرية واجتماعية واقتصادية وتاريخية عميقة، ولهذا يصعب التعامل مع فلسطين في الوجدان الأردني وكأنها مجرد ملف خارجي.
ومن هنا، من الطبيعي أن تكون التوقعات من الدور الأردني مختلفة عن التوقعات من دولة بعيدة جغرافياً وتاريخياً عن فلسطين.
لكن ذلك لا يعني تحميل الدولة الأردنية وحدها ما يفوق إمكاناتها، بل توسيع مفهوم المسؤولية ليشمل المجتمع بمؤسساته الاقتصادية والمهنية والأكاديمية والمدنية.
ماذا نستطيع أن نقدم أكثر؟
من حقنا، داخل الأردن، أن نسأل أنفسنا عن حجم المساهمة الأردنية المباشرة.
ومن حقنا أيضاً أن نبحث في كيفية زيادتها بما تسمح به قدراتنا.
فالأردن أثبت من خلال مستشفياته الميدانية، وممره الطبي، وتحركاته الدبلوماسية، أنه يستطيع القيام بدور يفوق ما قد يوحي به حجم اقتصاده وموارده.
وربما حان الوقت لاستكمال هذا الدور ببرنامج وطني طويل الأجل، واضح التمويل والأهداف، تشارك فيه الدولة والقطاع الخاص والنقابات والجامعات والمجتمع المدني.
ففلسطين أقرب إلى الأردن من أن تكون مجرد قضية نؤيدها في المحافل الدولية.
والسؤال الحقيقي ليس فقط ماذا فعلنا حتى الآن، بل:
كم نقدم نحن من مواردنا وخبراتنا وقدراتنا؟ وهل نستطيع أن نقدم أكثر؟
إنه سؤال يستحق أن يطرح علناً وبهدوء؛ لا انتقاصاً مما قدمه الأردن، وإنما بحثاً عن كيفية البناء عليه وتوسيعه.
أهم تعديل عندي هو استبدال «الأرقام القادمة من غزة تشرح حجم الفجوة» بـ «الأرقام القادمة من غزة تظهر حجم الحاجة الهائل». الأولى تفترض ضمناً وجود فجوة بين المطلوب وما قدمه الأردن، بينما الثانية تثبت حجم الحاجة وتترك للقارئ تقييم مدى كفاية المساهمة. وهذا يجعل المقال أكثر توازناً وأقوى دفاعاً عن فكرته.