بقلم: مؤيد أحمد المجالي
ليست المشكلة دائماً أن الدولة لا تملك الموارد.
أحياناً تكون المشكلة الأخطر أن الدولة (تملك المورد، لكنها لا تعرف كيف تديره).
والأردن لا يعاني من فقر في العقول، ولا من ندرة في الكفاءات، ولا من غياب الطاقات البشرية. لدينا أطباء ومهندسون وقانونيون واقتصاديون وأكاديميون وإداريون ومبرمجون وشباب يمتلكون المعرفة والطموح والقدرة على الإنجاز.
لكن السؤال الذي يجب أن نمتلك شجاعة طرحه هو:
- ماذا فعلنا بهذه الثروة البشرية؟
- هل وضعنا الكفاءة في مكانها الطبيعي؟
- هل أصبح التعيين نتيجة منافسة عادلة بين المؤهلين؟
- هل أصبحت الترقية مكافأة للأداء والإنجاز، أم مجرد محطة يصل إليها الموظف بحكم الأقدمية أو العلاقات؟
- هل نقيس أداء الموظف فعلاً، أم نملأ نماذج تقييم الأداء لأن النظام يطلب ذلك؟
- وهل نبحث عن القيادات المستقبلية ونصنعها، أم ننتظر شغور الموقع ثم نبحث عن شخص لشغله؟
هذه ليست أسئلة إدارية صغيرة.
إنها أسئلة تتعلق بقدرة الدولة على البقاء والتطور والمنافسة.
المشكلة تبدأ من التعيين:
عندما يدخل الإنسان إلى مؤسسة من خلال معايير غير واضحة أو منافسة غير عادلة، فإن المؤسسة لا تخسر فقط فرصة اختيار الأفضل؛ بل تبدأ بإرسال رسالة خطيرة إلى جميع العاملين فيها:
الكفاءة وحدها لا تكفي.
وهذه الرسالة أخطر من أي قرار إداري خاطئ.
فالموظف الكفؤ الذي يشعر أن جهده لا يغير شيئاً، قد يفقد الحافز.
والموظف الذي يرى أن العلاقات أقصر طريق من الإنجاز، قد يتعلم أن الاستثمار في العلاقات أكثر جدوى من الاستثمار في نفسه.
وهنا تبدأ المؤسسة في إنتاج ثقافة جديدة:
ليس السؤال: ماذا تستطيع أن تقدم؟
بل: من تعرف؟
وعندما تصبح هذه الثقافة أقوى من ثقافة الإنجاز، فإن المؤسسة تبدأ في استنزاف أفضل عناصرها بنفسها.
الواسطة ليست فقط مشكلة أخلاقية:
كثيراً ما نتعامل مع الواسطة باعتبارها مشكلة اجتماعية أو أخلاقية.
لكنها في جوهرها أيضاً مشكلة في إدارة الموارد البشرية.
لأن الواسطة، عندما تؤثر في التعيين أو الترقية أو توزيع الفرص، تعني عملياً أن المؤسسة قد لا تحصل على الشخص الأفضل للموقع.
وهنا يتحول الأمر من ظلم فرد إلى خسارة مؤسسية.
قد يحصل شخص على وظيفة لا يستحقها، لكن الكلفة الحقيقية لا يدفعها وحده.
يدفعها زملاؤه، ويدفعها المدير، وتدفعها المؤسسة، ويدفعها المواطن في النهاية عندما تتراجع جودة الخدمة.
ولهذا فإن محاربة الواسطة لا تكون بالشعارات فقط.
تبدأ من بناء أنظمة تجعل الواسطة أقل قدرة على التأثير، من خلال معايير واضحة، وإجراءات قابلة للتدقيق، ومنافسة حقيقية، وإعلان أسباب الاختيار، وربط التعيين والترقية بالكفاءة والاستحقاق.
الكارثة الأكبر: قتل الطموح بالترقية الخاطئة:
ليس أخطر على المؤسسة من أن يشعر الموظف أن مستقبله الوظيفي لا علاقة له بإنجازه.
فالترقية التي لا تستند إلى الأداء ترسل رسالة صامتة إلى بقية الموظفين:
لا تتعب كثيراً... فالنتيجة محسومة.
وحينها يبدأ الموظف المجتهد بالتراجع، ليس لأنه فقد قدرته، وإنما لأنه فقد الإيمان بأن قدرته ستُكافأ.
إن المؤسسة التي لا تميز بين من يعمل ومن لا يعمل، وبين من يطور نفسه ومن يرفض التطوير، وبين من يتحمل المسؤولية ومن يتهرب منها، ستصل في النهاية إلى حالة يصبح فيها التميز استثناءً والتراخي قاعدة.
تقييم الأداء: ورقة لا تكفي:
لدينا أنظمة ونماذج ومعايير لتقييم الأداء.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يوجد نموذج لتقييم الأداء؟
السؤال هو:
هل يعكس هذا التقييم الأداء الحقيقي؟
إذا حصل الموظف المجتهد والموظف المتراخي على النتيجة نفسها، فما معنى التقييم؟
وإذا لم يترتب على الأداء المتميز تطوير أو ترقية أو مسؤولية أكبر، فما الرسالة التي نرسلها إلى الموظف؟
وإذا لم يؤدِ ضعف الأداء إلى معالجة حقيقية، فكيف نتوقع من المؤسسة أن تتحسن؟
تقييم الأداء يجب ألا يكون إجراءً بيروقراطياً سنوياً.
يجب أن يكون أداة لإدارة المؤسسة نفسها.
نعرف من خلالها من يحتاج إلى تدريب، ومن يستحق فرصة أكبر، ومن يمتلك قدرات قيادية، ومن يحتاج إلى إعادة تأهيل، ومن لا يؤدي الحد الأدنى المطلوب.
أين القيادات المستقبلية؟
هذه ربما واحدة من أخطر نقاط الضعف في إدارة الموارد البشرية.
الدول والمؤسسات الناجحة لا تنتظر حتى يفرغ منصب قيادي ثم تبدأ البحث عن شاغله.
إنها تبحث منذ سنوات عن أصحاب القدرات القيادية.
تراقب أداءهم.
تدربهم.
تمنحهم فرصاً.
تضعهم في مواقع مسؤولية تدريجية.
وتختبر قدرتهم على اتخاذ القرار وإدارة الأزمات والفرق والموارد.
أما أن نكتشف القيادة بعد شغور الموقع، فمعناه أننا لا ندير المستقبل؛ بل ندير الفراغ.
والدولة التي لا تصنع قياداتها مسبقاً ستظل مضطرة في كل مرة إلى البحث عن أسماء لشغل المواقع، بدلاً من امتلاك منظومة مؤسسية تنتج القيادات بصورة مستمرة.
الأردن يملك الإنسان... فهل يملك النظام الذي يستثمره؟
هذه هي المسألة.
قد ننفق الملايين على التدريب، ونرسل الموظفين إلى الدورات، وننشئ البرامج، ونغير المسميات، ونصدر الأنظمة، لكن كل ذلك لن ينتج تحولاً حقيقياً إذا بقيت القاعدة الأساسية مضطربة:
من يحصل على الفرصة؟ ولماذا؟
فالعدالة في إدارة الموارد البشرية ليست ترفاً.
والشفافية في التعيين ليست شعاراً.
وتكافؤ الفرص ليس خطاباً سياسياً.
إنها عناصر إنتاج.
عندما يعرف الموظف أن الكفاءة ستقوده إلى الأمام، سيستثمر في نفسه.
وعندما يعرف أن الأداء سيُقاس، سيهتم بأدائه.
وعندما يعرف أن الترقية ليست مرتبطة بالعلاقات، سيؤمن بالمؤسسة.
وعندما يعرف أن القيادة تُبنى على الاستحقاق، سيطمح إلى أن يكون قائداً.
وهكذا تتحول العدالة الإدارية من قيمة أخلاقية إلى قوة اقتصادية وإدارية للدولة.
لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية إدارة قديمة:
العالم يتغير بسرعة.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الوظائف.
التكنولوجيا تغير طبيعة الإدارة.
الاقتصاد العالمي يبحث عن المهارات.
والدول تتنافس ليس فقط على الأموال والاستثمارات، وإنما على العقول والكفاءات.
وفي عالم كهذا، لا يكفي أن يكون لدينا موظف يحمل مؤهلاً جامعياً.
نحن بحاجة إلى موظف يتعلم باستمرار.
ونحتاج إلى مدير يستطيع قيادة التغيير.
ونحتاج إلى مؤسسات تعرف كيف تكتشف المواهب قبل أن تغادر.
ونحتاج إلى نظام يستطيع التمييز بين من يشغل الوظيفة ومن يستحق أن يشغلها.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة ليس أن تفقد بعض الكفاءات.
بل أن تبقى الكفاءات داخلها، ثم تفقد هي الثقة بأن لديها مكاناً.
الثروة الأردنية الأكبر:
قد لا يمتلك الأردن النفط.
وقد لا يمتلك الغاز بكميات ضخمة.
وقد تكون موارده الطبيعية محدودة.
لكن لديه شيئاً لا يقل قيمة عن الموارد الطبيعية:
الإنسان الأردني.
إنسان أثبت حضوره في الطب والهندسة والقانون والتعليم والإدارة والتكنولوجيا وفي أسواق العمل داخل الأردن وخارجه.
لكن الثروة التي لا تُدار جيداً تتحول من فرصة إلى خسارة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يكون في قلب الإصلاح الإداري الأردني ليس:
كم عدد موظفي الدولة؟
بل:
ماذا يفعل كل موظف؟ وما الذي يستطيع أن يفعله؟ وهل وضعناه في المكان الذي يستطيع فيه أن يعطي أفضل ما لديه؟
وليس السؤال:
كم أنفقنا على التدريب؟
بل:
كم تغير أداء الموظفين بعد التدريب؟
وليس السؤال:
كم شخصاً تمت ترقيته؟
بل:
لماذا تمت ترقيته؟ وعلى أي أساس؟ وماذا أضاف بعد ترقيته؟
وليس السؤال:
من يشغل الموقع القيادي اليوم؟
بل:
من نُعدّه ليقود المؤسسة غداً؟
وفي الختام ينبغي أن نُبين أن الأردن لا يحتاج إلى اختراع الإنسان الأردني من جديد؛ فالإنسان موجود،
والأردن لا يحتاج إلى البحث عن الكفاءة في مكان بعيد؛ فالكفاءة موجودة.
والأردن لا يحتاج دائماً إلى مزيد من الموظفين؛ إنما يحتاج قبل ذلك إلى إدارة أفضل لمن يملكهم.
فالدولة التي تضع غير الكفؤ في الموقع الخطأ، ثم تطلب منه نتائج صحيحة، تشبه من يضع المفتاح الخطأ في القفل ثم يلوم الباب لأنه لم يفتح.
إن إصلاح إدارة الموارد البشرية في الأردن يجب أن يتحول من ملف إداري ثانوي إلى مشروع دولة:
- تعيين عادل.
- ترقية قائمة على الاستحقاق.
- تقييم أداء حقيقي.
- مكافحة فعالة للواسطة والمحسوبية.
- تطوير مستمر للمهارات.
- اكتشاف مبكر للمواهب.
- صناعة منهجية للقيادات.
- ومساءلة واضحة عن النتائج.
فالمؤسسات لا تتقدم بعدد موظفيها، وإنما بنوعية الإنسان الذي يعمل فيها وبالنظام الذي يتيح له أن ينجح.
وفي النهاية، قد تكون أكبر خسارة للأردن ليست أن يهاجر عقل أردني إلى الخارج...
بل أن يبقى العقل الأردني في الداخل، ثم نضعه في المكان الذي لا يستطيع فيه أن يصنع الفرق.
الثروة موجودة...
لكن السؤال الذي لا يجوز أن نهرب منه هو:
هل نحن ندير الثروة البشرية، أم نهدرها؟
