استنزاف الحلفاء عبر شبكات التنسيق الأمني الإقليمي وحدود الدور الصيني
بقلم: د. رلى الفرا ( الحروب)
3 أكتوبر 2026
هل تُقرأ التحشدات الأميركية المتصاعدة في المنطقة باعتبارها تحضيرات لجولة عسكرية جديدة ضد إيران وحدها، أم ينبغي النظر إلى اليمن ولبنان والعراق باعتبارها أجزاء من المعركة نفسها؟
وهل تسعى واشنطن وتل أبيب إلى القضاء على جميع حلفاء طهران قبل مهاجمتها، أم يكفيها إشغال هؤلاء بحروبهم ومفاوضاتهم الداخلية، بحيث تخوض إيران المواجهة التالية بقدرة أقل على توزيع الضغط ورفع كلفة الهجوم؟
تتيح المؤشرات المتاحة حتى الثالث من أكتوبر 2026 بناء فرضية قوية مفادها: قد تسبق الحملة الجديدة على إيران حرب واسعة ضد الحوثيين، ثم تتداخل معها، فيما تستمر العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله، وتتقدم مساعي الحكومة العراقية لحصر سلاح الفصائل.
فما هي النتيجة التي تسعى اليها واشنطن وتل أبيب من تزامن الجبهات؟
في الأول من أكتوبر، نشرت وول ستريت جورنال تقريرًا للصحافيتين لارا سيليغمان وشيلبي هوليداي [1]، نقل عن مسؤولين أميركيين إرسال مجموعة حاملة طائرات ثالثة ووحدة إضافية من مشاة البحرية، بما يضيف نحو تسعة إلى عشرة آلاف عسكري، على أن تصل التعزيزات بحلول نهاية نوفمبر 2026، وهو ما يرفع عدد الجنود الأمريكيين المقاتلين في المنطقة الى 60 الف بحسب مصادر صحافية متعددة.
وتربط التقارير الصحافية زيادة التعزيزات بسعي ترامب إلى استئناف ضرب إيران بعد الانتخابات النصفية الامريكية، ويعزز هذا الاستنتاج كلمة ترمب نفسها امام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 / 9/ 2026 التي حذرت بوضوح من ان استراتيجية الادارة الأمريكية الجديدة هي الحروب الاستباقية وعدم ابقاء المخاطر قائمة وعدم ترحيلها إلى إدارات أخرى، وخص بهذا الحديث إيران التي خيرها بين تقديم التنازلات المطلوبة والإبادة [2].
هل نحن أمام مواصلة سياسة الضغط الأقصى التي أعلنها ترمب في مطلع عهده، لانتزاع تنازلات ترفض طهران تقديمها حتى اللحظة، عبر مزيج من الحصار الاقتصادي والتهديد العسكري والضربات الجوية والبحرية المحدودة، أم نحن امام توسيع الخيارات لحملة عسكرية جديدة حاسمة ؟
رفع أعداد البحارة والمارينز والقوة المحمولة جوا وحاملات الطائرات والقطع والاليات البرمائية وترميم القواعد العسكرية في الخليج التي أصيبت أثناء الجولات السابقة، وبناء تحالفات عسكرية مع قوى أوروبية وإقليمية، كلها مؤشرات تشي باستعداد لحرب أوسع، لكنها في الوقت ذاته تلعب دورا مزدوجا، فقد تكون تصعيدا للضغوط القصوى، وقد تكون قرارا عسكريا لتنفيذ غزو بري شامل على مراحل، قد يبدأ بالسواحل والجزر، مراهنين على إرباك النظام وإضعافه وإجباره على التنازل أو إسقاطه عبر تحريك فصائل مسلحة معارضة ضده او بإحداث انشقاق داخل الحرس الثوري او الجيش او دفع الشارع إلى لثورة، او كل هذه العناصر مجتمعة، ثم يتطور عملياتيا في حال الفشل في تحقيق تلك الأهداف.
في الثالث من أكتوبر، نشر موقع أكسيوس تقريرا كشف عن اجتماع لمستشاري ترامب في كامب ديفيد، برئاسة فانس، لمناقشة إيران واليمن معًا. [3] الاجتماع، وفق التقرير الصحافي، جرى في اليوم السابق، وهو يطرح سؤالًا مباشرًا: هل قررت واشنطن ان يكون الهجوم على الحوثيين جزءًا من حسابات الجولة الإيرانية المقبلة؟
المؤشر الأكثر تحديدًا جاء من رويترز في الثاني من أكتوبر، في تقرير تيمور أزهري ومبشر بخاري: السعودية تعدّ هجومًا تقوده قوات يمنية تصل الى مائة الف جندي، وتسانده ضربات جوية سعودية، مع بحث خيار ساحلي أو هجمات على جبهات متعددة.
ونقل التقرير عن مصادر مطلعة تقديم واشنطن معلومات استخبارية ومساندة استشارية، لكنه لم يثبت مشاركة أميركية مباشرة في القتال، ولم يحسم توقيت الانطلاق [4]. فهل تهدف العملية إلى استعادة السيطرة على مناطق ساحلية تؤثر في باب المندب فحسب، أم أن لها وظيفة أخرى في حرب أوسع؟
من منظور التحضير لضرب إيران، تكمن أهمية الحرب اليمنية في أثرها حتى قبل أن تُحسم. إذا اضطر الحوثيون إلى حماية مواقعهم وخطوط إمدادهم ومراكز حكمهم، فكم يبقى لديهم من القدرة والوقت لتوسيع المواجهة دعمًا لطهران؟ وهل تجبرهم معركة مستمرة على الساحل وجبهات الداخل على تقديم بقاء سلطتهم على المشاركة الإقليمية؟
هنا يصبح الاستنزاف نفسه هدفًا محتملًا، وتغدو الحرب اليمنية تمهيدًا للجولة الإيرانية حتى لو استمرت أثناءها وبعدها.
لكن من يستطيع ضمان تحقق هذا الأثر؟ ألن تدفع الحرب الحوثيين إلى تصعيد عملياتهم بدل تقليصها؟ وهل يؤدي فقدان منطقة ساحلية إلى انتهاء قدرتهم على تهديد الملاحة، أم إلى انتقالهم إلى وسائل أخرى؟ رويترز نفسها أبرزت تشتت القوى اليمنية المناوئة للحوثيين وصعوبة بناء هجوم مستدام [4].
لذلك فإن الحرب الواسعة احتمال تدعمه التحضيرات، أما نجاحها في جعل الحوثيين عاجزين عن مساعدة إيران فنتيجة تحتاج إلى الاختبار، ولا يجوز توقعها مسبقًا.
ولبريطانيا وفرنسا حضور يتجاوز التصريحات. أعلنت وزارة الدفاع البريطانية في 22 سبتمبر توفير طائرة فوياجر لتزويد الطائرات السعودية بالوقود جوًا. وأشارت إلى معدات دفاع جوي وأفراد بريطانيين موجودين أصلًا. وصفت لندن الدعم بأنه دفاعي، وربطته بمصالحها الاقتصادية والأمنية [5]. فما حدود هذا الدور إذا اتسعت العمليات؟
وفي 24 سبتمبر، أعلن ماكرون إرسال جنود ورادارات وأنظمة دفاع لحماية ميناء ينبع، بحسب رويترز. شدد على حماية الموقع وتجنب الانخراط في النزاع [6]. هذا يثبت دعمًا عسكريًا فرنسيًا ضد آثار الهجمات الحوثية. لكنه لا يعني بالضرورة المشاركة في هجوم شامل على اليمن. فهل تبقى المهمة عند حدود الدفاع عن الميناء؟
أما هرمز، فالمبادرة البريطانية الفرنسية أقدم من التحشد الأخير. البيان المشترك المؤرخ في 12 مايو، والمنشور في 14 مايو 2026، وصف مهمة عسكرية مستقلة ودفاعية لحماية السفن وإزالة الألغام. واشترط بدء العمليات في بيئة تسمح بها، وفصلها عن الحملات العسكرية الأخرى. وفي الثالث من يوليو، جدد البلدان استعدادهما لنشر المهمة بالتعاون مع عُمان. [7، 8]
وفي الثاني من أكتوبر، أعلن الإليزيه اتفاق قادة مجموعة السبع على استمرار التنسيق لاستعادة حرية الملاحة في هرمز [9]. فهل تُحفظ الحدود بين حماية الملاحة وفرض تغيير سياسي بالقوة؟ أم تتوسع المهام حين تتعرض السفن أو الجنود للخطر؟
هذه الإعلانات مؤشرات على الحضور والاستعداد. وليست دليلًا مكتملًا على انضمام لندن وباريس إلى حرب هجومية واحدة، لا سيما في ظل تصاعد الاستعدادات الأوروبية لما يسميه الناتو اختبارا روسيا له!
وفي لبنان، هل يمكن فصل استمرار الضغط على حزب الله عن أمن إسرائيل عند مهاجمة إيران؟ في السادس من سبتمبر 2026، وثقت رويترز ضربات إسرائيلية على الجنوب، زعم الجيش الإسرائيلي أن سببها إطلاق الحزب مسيّرات نحو جنوده [10].
وفي العاشر من سبتمبر 2026، نقلت الوكالة إعلان نتنياهو وكاتس تدمير بنية عسكرية محصنة تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر [11]؛ وما زالت الضربات مستمرة بذرائع مختلفة، فهل يؤدي إضعاف المواقع والقيادة والقدرة على إعادة التنظيم إلى تضييق الخيارات اللبنانية المتاحة لطهران في الجولة التالية؟
هذا لا يجعل لبنان مجرد هامش للمعركة الإيرانية لأنه ليس كذلك، ولا يلغي أهداف إسرائيل الخاصة التوسعية داخله. لكنه يدعونا إلى السؤال عن تلاقي الأهداف: إذا أصبح حزب الله مضطرًا إلى تركيز موارده على المحافظة على ما بقي من قدرته وحماية بيئته، ألن تخوض إسرائيل الحرب ضد إيران وهي أقل قلقًا من جبهتها الشمالية؟
وهل يتطلب تحقيق ذلك إنهاء الحزب نهائيًا، أم يكفي إبقاؤه تحت ضغط لا يسمح له بتوسيع الحرب؟
أما العراق، فالأداة مختلفة. تقرير الجزيرة المنشور في 22 سبتمبر 2026، نقلًا عن تصريحات لرئيس الوزراء علي الزيدي ومعلومات من نيويورك تايمز، عرض مسارًا يبدأ بوقف هجمات الفصائل مدة تسعين يومًا مقابل عدم تعرضها لهجمات أميركية، ثم تسليم السلاح تدريجيًا حتى منتصف 2027. كما نقل تأكيد روبيو أهمية تفكيك الفصائل ومنع الهجمات من الأراضي العراقية [12].
ألا يمكن أن يؤدي تعطيل قرارها العسكري المستقل إلى تحييد جبهة قبل اكتمال نزع السلاح نفسه؟
غير أن هذا المسار ليس إنجازًا مكتملًا. ففي 18 سبتمبر 2026، نقلت وسائل إعلام عراقية بيان قاسم الأعرجي النافي وجود سقف زمني محدد لعمل لجنة حصر السلاح، فيما استمرت اعتراضات بعض الفصائل على التسليم [13]. وهذا يعني ان الملف لم يغلق بعد.
في الوقت ذاته، فإن حصر السلاح مطلب سيادي عراقي له دوافعه الداخلية؛ فلا يثبت تلاقي أثره مع المصلحة الأميركية أن بغداد تنفذ خطة حرب أميركية، لكن هل تستطيع الحكومة فصل هذا الملف عن الضغوط الخارجية وتوقيت المواجهة المقبلة؟
وتزداد الأسئلة إلحاحًا أمام اجتماع ألمانيا. ففي 15 سبتمبر2026، كشفت تقارير صحافية عن لقاء نظّمته القيادة المركزية الأميركية، وضم قيادات جيوش من إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر، إلى جانب القيادة الأميركية. ونقلت جيروزاليم بوست تأكيدًا من مصدر داخل القيادة المركزية لانعقاد المؤتمر المغلق وتعزيز التعاون الأمني حول إيران والشرق الأوسط [14].
ماذا يعني اجتماع قادة عسكريين عرب وإسرائيليين تحت مظلة أميركية واحدة في هذا التوقيت؟ لا يكفي اللقاء لإعلان قيام حلف هجومي، لكنه يكشف قنوات تنسيق قابلة للتوسع. فهل تتشكل شبكة إقليمية تستطيع تبادل الإنذار والمعلومات والدفاع عن القواعد والممرات البحرية، ثم تسهيل عمليات ضد إيران والحوثيين؟
وأين ينتهي الدفاع عن دولة أو سفينة ويبدأ الإسهام في حرب على دولة أخرى؟ هل يبقى الفرق واضحًا إذا تقاطعت الرادارات والقواعد والإمداد والمعلومات داخل شبكة واحدة؟
لهذه الأسئلة دلالة تتجاوز إعلان المشاركة في القتال. قد تُحجم دولة عن إرسال جنود إلى إيران، لكنها تقدم تسهيلات ذات أثر عسكري كبير. فهل تستطيع الادعاء بأنها خارج الحرب إذا استُخدمت أراضيها أو معلوماتها فيها؟ وفي المقابل، هل يجوز افتراض أن كل دولة حضرت اجتماع ألمانيا وافقت على تلك الاستخدامات؟
لا، والمطلوب هو الشفافية، وكشف حدود الالتزامات، لأن غموضها قد يُحمّل شعوب المنطقة مخاطر لم تناقشها ولم توافق عليها.
لكن هل تريد واشنطن وإسرائيل النهاية نفسها؟
يلتقى الطرفان في أهداف مثل تقليص القدرة العسكرية الإيرانية، ومنع امتلاكها أي إمكانية لتطوير سلاح نووي، وإضعاف القوى المتحالفة مع طهران، وتعزيز أمن إسرائيل وإعلانها القوة المهيمنة على الإقليم. كما تلتقيان في توسيع شبكة التنسيق الأمني الإقليمي بما يجعل إسرائيل قائدة للإقليم ويمهد في المستقبل لانسحاب أميركا منه، وهي الاستراتيجية التي أعلنت في عهد بايدن ولم تتمكن أميركا من تنفيذها حتى الآن، بسبب نفوذ نتنياهو في البيت الأبيض وإصراه على توريطها في وحل المنطقة لخدمة أهدافه، التي ينجح دوما في تصويرها باعتبارها أهدافا مشتركة تحقق مصالح مشتركة.
غير أن اتفاقهما على ضرب الخصم لا يعني اتفاقهما بالضرورة على موعد وقف الحرب أو شكل المنطقة بعدها.
واشنطن تحسب كلفة الانتشار وحماية القواعد وأسعار الطاقة والتنافس مع الصين. أما إسرائيل، فترتبط حساباتها مباشرة بالصواريخ وبالجبهات القريبة وبقدرة خصومها على التعافي وبمشروع إسرائيل الكبرى، ايا يكن تصورها لحدود ذلك المشروع وشكله. لذلك قد ترى واشنطن في اتفاق يقيّد إيران مكسبًا كافيًا. وقد ترى حكومة نتنياهو في بقاء النظام قادرًا على إعادة البناء خطرًا مؤجلًا. هذه قراءة لاختلاف المصالح، وليست وصفًا لقرار نهائي.
ولذلك، فإن نتنياهو سيواصل الضغط على ترمب من أجل إنهاء الخطر واجتثاثه كليا، سواء كان على رأس حكومة مؤقتة أم دائمة بعد الانتخابات، وطالما بقيت له اليد الطولى في البيت الأبيض، ما لم يحدث انقلاب في الكونجرس يعيد البوصلة الى المصلحة الأمريكية ويحجم نفوذ اللوبي الإسرائيلي داخل مؤسسات القرار!
هذا التباين المحدود في بعض الأهداف والمصالح والتكتيكات، ليس افتراضًا مجردًا، فقد وثقت رويترز في الثاني من يونيو 2026 ضغط ترامب لوقف ضربات مخططة على بيروت [15] ، وقد عبر ترمب ذاته عن هذا الدور في أحد خطاباته. وهذا يكشف أن الولايات المتحدة تستطيع كبح إسرائيل إن أرادت حين ترى أن التصعيد يضر بمسار تفاوضي؟
في المقابل، فإن إسرائيل بما تملكه من روافع وأدوات نفوذ في عقر مؤسسات السياسة الامريكية تملك أيضا خلق وقائع أو أوهام تدفع واشنطن إلى جولة لا تريد استمرارها طويلًا، بل إنها في الواقع تضر بفرص الجمهوريين في الانتخابات النصفية وبفرص ترمب أو خليفته في العودة الى ولاية ثالثة في البيت الأبيض؟
وفي خطابه الأممي في 22 سبتمبر2026 كما أسلفنا، قدم ترامب استخدام القوة بوصفه وسيلة لمواجهة الأخطار قبل تفاقمها [2] لكن هل تنتهي هذه السياسة بصفقة يستطيع إعلانها انتصارًا، أم بمواصلة الحرب حتى تغيير النظام؟ ومن يحدد نقطة الاكتفاء إذا اختلفت واشنطن وإسرائيل على معنى الانتصار؟
أين تقف الصين من هذا المسار؟ لا تكفي صور الزيارتين المتبادلتين بين ترامب وشي لإثبات صفقة بشأن إيران أو اتفاق على تقاسم الكعكة. إعلان النتائج الذي نشرته شينخوا في تشاينا ديلي يوم 26 سبتمبر أورد اتفاقًا على التزام إيران بعدم تطوير سلاح نووي، ورفض رسوم العبور في الممرات الدولية.
وفي اليوم السابق، نقلت الوكالة دعوة شي إلى العودة للتفاوض واحترام سيادة الدول وأمنها [16، 17]. ولكن هذه النصوص لا تتضمن موافقة صينية على إسقاط النظام، وتوافق البلدين على قواعد الملاحة لا يعني توافقهما على الحرب التي تُطرح باسم حمايتها؟
ثم إن تقرير تشاينا ديلي في الثاني من أكتوبر 2026 نقل دفاع الممثل الصيني عن الفيتو الذي استخدمته بكين وموسكو في 17 سبتمبر ضد تمديد فريق مراقبة العقوبات على إيران، وانتقاده الضغط الأقصى واستخدام القوة [18]. صحيح أن هذا التصويت سبق القمة الامريكية الصينية، لكن استمرار الدفاع عنه بعدها لا يوحي بانتهاء الخلاف.
وإذا كانت بكين تريد حقا منع انتشار السلاح النووي واستعادة أمن الملاحة، فلماذا نفترض أنها تريد تحقيق ذلك من خلال نظام إيراني تابع لواشنطن؟ بل إن هذا في الواقع، أبعد ما يكون عن خدمة مصالح الصين، والصين ليست غبية لتسمح باستبدال نظام حليف لها بآخر حليف للامريكيين يعيق فرص وصولها وعملها في أهم إقليم حيوي بالنسبة لها ولتجارتها واقتصادها وإمداداتها من الطاقة.
في دراسة حديثة منشورة على موقع معهد شنغهاي للدراسات الدولية، بعنوان «من دبلوماسية السلام إلى الحرب على إيران»، يربط الباحثون المغامرة العسكرية الأميركية بمحاولة الاحتفاظ بالهيمنة بكلفة منخفضة، ونقل المسؤوليات إلى الآخرين، والإفراط في الاعتماد على إسرائيل [19].
ماذا لو كانت الحملة الجديدة محاولة أخرى لتحقيق أهداف سياسية كبيرة بأعباء أميركية محدودة، فيما يدفع اليمنيون واللبنانيون والعراقيون ودول الخليج وباقي أبناء المنطقة القسم الأكبر من الثمن؟
أرجّح أن تعمل الصين على منع هزيمة إيران الاستراتيجية من خلال المساندة الدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية والتعاون التقني والاستخباري الممكن، مع محاولة التوصل إلى تسوية دبلوماسية، وإن كانت المصادر المفتوحة لم تثبت حتى الآن برنامجًا عسكريًا أو استخباريًا محددًا لإنقاذ إيران. في المقابل، فإنني لا أرجح أن تقبل الصين بسقوط شريكها أو حليفها الايراني!!
ولكن هل تكفي مساندة لا تشمل مستشارين عسكريين أو أسلحة قتالية فعالة، لا سيما على صعيد الدفاع الجوي ( نقطة الضعف الإيرانية القاتلة)، لإطالة صمود الدولة الإيرانية وهدم حسابات الحسم السريع؟
ولا تتساوى إيران والحوثيون في الحساب الصيني. إيران دولة وشريك استراتيجي، فيما الحوثيون قوة يمنية لها أجندتها المحلية. في 14 سبتمبر 2026، دعت الخارجية الصينية إلى التهدئة في اليمن، ورفضت الاعتداء على المنشآت المدنية، ثم أكد وانغ يي في لقائه عراقجي يوم 16 سبتمبر 2026 رفض امتداد التوتر إلى اليمن والبحر الأحمر [20، 21].
فهل تنحاز بكين إلى بقاء حكم الحوثيين، أم إلى تسوية يمنية تضمن الملاحة وتمنع توسيع الحرب؟
التقارير المتاحة تميل إلى تأييد الموقف الثاني، ولا تثبت التزامًا بحمايتهم عسكريًا.
وروسيا؟ انشغالها في أوكرانيا وبالتوتر المتصاعد مع أوروبا يحد من الموارد والانتباه المتاحين للشرق الأوسط، ويزداد هذا القيد إذا اتسعت المواجهة الأوروبية. أعلن مجلس الاتحاد الأوروبي في 28 سبتمبر 2026 تعزيز الدعم العسكري والتدريب لأوكرانيا، وتناول عمليات صعود إلى سفن مشتبه بها للتحقق من أعلامها ضمن مواجهة الأسطول الروسي الذي تصفه أوروبا بالظل.
كما أعلنت السويد في الرابع من مارس 2026 تفاهم عشر دول على ترتيبات لحماية المدنيين ونقلهم عبر الحدود عند الأزمات أو الحرب [22، 23] .
ونشر حلف الناتو في 15/9/2026 وثيقة مفصلية في غاية الأهمية تحول الدولة المدنية الى عمق عسكري وتطلب من الحكومات الاوروبية وضع تصور تفصيلي لكيفية استمرار الدولة والمجتمع والاقتصاد تحت القصف أو أثناء حرب واسعة [24].
لكنه لا يثبت حتمية حرب روسية أوروبية شاملة. حتى التقييم الدنماركي المنشور في 24 سبتمبر2026 فرّق بين مخاطر عمليات محدودة وهجينة وبين غزو واسع اعتبره شديد الاستبعاد في الأجل القريب [25]؛ وهو تقييم استخباري فقط، فهل يمكن أن تبدأ المواجهة من إجراءات أوروبية تُعدّها موسكو تهديدًا، أو من حادث مختلف على نسبته؟ ومن يملك منع احتكاك بحري أو جوي من تجاوز الغرض المعلن له؟
وإذا اضطرت موسكو إلى تركيز مواردها في أوروبا، فهل يصبح الحفاظ على إيران أكثر اعتمادًا على بكين؟
الشراكة الروسية الإيرانية لا تتضمن ضمانة دفاع مشترك تلقائية؛ وهذا ما أوضحه نائب وزير الخارجية الروسي في أبريل 2025. وفي نقاش فالداي المنشور في 24 أبريل 2026، حذر أندريه كورتونوف من اعتبار روسيا مستفيدًا صافيًا من الحرب على شريكها الإيراني [26، 27].
فكيف تتصرف موسكو بين الرغبة في منع خسارته ومحدودية القدرة على مساعدته؟
على أن الأدلة المقابلة يجب ألا تُهمل.
في الثاني من أكتوبر 2026، نقلت رويترز عن وزير الخارجية الباكستاني طرحًا إيرانيًا للتواصل السياسي مع الحوثيين بدل العمل العسكري. ونقلت الوكالة، في تقرير آخر محدث في اليوم نفسه، عن مسؤولين إيرانيين استعداد حلفاء طهران لمساندتها عند تجدد الهجوم؛ وهي معلومات لم تؤكدها الخارجية الإيرانية [28، 29].
ألا تعني هذه الأخبار أن التفاوض ما زال ممكنًا، وأن تعطيل الحلفاء هدف تسعى إليه إسرائيل، وليس واقعًا تحقق؟
ومع ذلك، فإن الترجيح الذي يستحق الانتباه هو حرب واسعة على الحوثيين تسبق الجولة الجديدة ضد إيران أو تبدأ قبيلها وتستمر بالتوازي معها، مع إبقاء حزب الله تحت النار، ومحاولة ضبط الفصائل العراقية عبر الدولة. ليس المطلوب لهذا السيناريو حسم اليمن أولًا؛ يكفي أن تكون حربه قائمة وتستنزف الحوثيين.
لكن هل سينجح ذلك في عزل إيران، أم سيخلق جبهات طويلة تستنزف التحالف الذي بدأها أيضًا؟
وهل يعني ضعف شبكة حلفاء إيران سقوط النظام؟ قد تبقى مؤسسات الحكم متماسكة رغم خسارة نفوذها الخارجي، وقد تُضعف الحرب الدولة والمجتمع دون أن تنتج بديلًا سياسيًا مستقرًا. وإذا كان الرهان على أن يقود القصف والحصار إلى انتفاضة أو انشقاق، فمن يضمن اتجاههما؟
ومن يتحمل المسؤولية إذا تحولت محاولة تغيير النظام إلى تفكك للدولة ونزوح واضطراب يتجاوز حدودها؟
هذه الأسئلة موجهة خصوصًا إلى حكومات الإقليم: هل تخدمها حرب تتسع فيها تبعيتها الأمنية، وتتضرر موانئها وقواعدها وأسواقها، ويُعاد ترتيب المنطقة وفق تفوق إسرائيل بعد أن أضعفت جميع القوى المؤثرة فيها؟ وهل تملك حماية سكانها واقتصاداتها من الردود والتداعيات إذا انخرطت في شبكة العمليات؟ إن أمن الملاحة لا يصبح مستدامًا بمجرد تدمير خصم، وأمن الدول لا يُقاس بعدد الرادارات التي تربطها بقيادة خارجية.
الخطر الذي تكشفه المؤشرات هو أن تبدو كل خطوة منفردة محدودة ومعقولة لدى صاحبها: تعزيز أميركي، وهجوم يمني، وضربة إسرائيلية، وتفاوض عراقي، وإجراء بحري أوروبي. ثم تتجمع الخطوات لتنتج حربًا أكبر من قدرة الجميع على ضبطها.
فهل تسأل دول المنطقة اليوم عن حدود مشاركتها وشروط وقف الحرب وبدائلها، وهل تستطيع التفكير بمعزل عن التقارير التي تأتيها من الخارج، أم تنتظر حتى تصبح حماية نفسها ذريعة لمزيد من الانخراط الذي يخدم عدوها الذي يلبس ثياب الواعظين؟ ومن يضمن أن تنتهي حرب تبدأ بوعد الحسم عند الحدود التي رسمها مخططوها؟
