د. حازم قشوع
لم تعد مكانة الدول في الإقليم تقاس بمساحتها أو مواردها وحدها، وإنما بقدرتها على إنتاج الدور وربط عناصر القوة لديها ضمن منظومة متكاملة تجعل منها نقطة ارتكاز في محيطها يمكن قراءة الحضور المتقدم للحسين، ولي العهد، في نيويورك، وما حملته لقاءاته من مضامين تتجاوز الجانب الاقتصادي والتقني إلى إعادة تقديم الأردن باعتباره مركزاً للربط والتوازن في الإقليم.
فبعد المشاركة الأردنية في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة و"خطاب الملك عبدالله الذى وصل تاثيره الى حواضن غير مسبوقه فافت المليار متابع"، جاءت لقاءات الحسين، ولي العهد، مع مؤسسات دولية وأمريكية وشركات تكنولوجية لتؤكد أن الأردن ينظر إلى موقعه الجغرافي باعتباره قاعدة يمكن البناء عليها لإنتاج منظومة جديدة من المصالح. وقد برز ذلك في بحث مشاريع الطاقة والمياه والخدمات اللوجستية والسكك الحديدية والإنترنت، إلى جانب تطوير العقبة وأتمتة عملياتها اللوجستية، بما يجعل الجغرافيا الأردنية جزءاً من منظومة إقليمية أوسع للتبادل والربط.
وهنا تتقدم العقبة باعتبارها أكثر من منفذ بحري؛ فهي نقطة اتصال بين المشرق والبحر الأحمر، وقادرة على الارتباط بممرات التجارة والطاقة والنقل، في الوقت الذي تتجه فيه المنطقة إلى إعادة تشكيل شبكاتها الاقتصادية والأمنية. ولذلك فإن تطوير العقبة ضمن رؤية متكاملة لا ينفصل عن هندسة الدور الأردني، بل يمثل أحد مرتكزاتها الأساسية وهنا تعيد لبيان "مشروع مدينه الحسين" الذى يضم العقبه ووادي رم اضافه الى لنموذج حي للذكاء الاصطناعي على غرار سيليكون فالي .
فإن انتقال اهتمام الحسين، ولي العهد، إلى الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والخدمات الحكومية الرقمية والتصنيع يؤشر إلى أن هندسة الثقل الإقليمي لم تعد تقوم على الجغرافيا وحدها، وإنما على تحويل المعرفة والتكنولوجيا إلى عناصر قوة وطنية. فالدولة التي تمتلك موقعاً استراتيجياً ولا تمتلك أدوات الربط الحديثة تبقى محكومة بجغرافيتها، أما الدولة التي توظف موقعها مع التكنولوجيا والاقتصاد واللوجستيات فإنها تستطيع تحويل الجغرافيا إلى قدرة على إنتاج الدور.
ومن هنا يمكن فهم أهمية لقاءات ولي العهد في الولايات المتحدة، باعتبارها دولة ريادية في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والاقتصاد الرقمي. فالمسألة لا تبدو بحثاً عن المساعدات، ولا حتى عن الاستثمارات على أهميتها، بقدر ما تتصل بجلب المعرفة والصناعات القائمة عليها وتوطينها في الأردن، بما ينقل العلاقة من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها وتطويرها، ومن استقطاب رأس المال إلى بناء اقتصاد معرفي قادر على توليد القيمة وفرص العمل والأسواق...وهذه الرؤية يمكن أن تستفيد من تجارب دول استطاعت أن تصنع لنفسها أدواراً تتجاوز حجمها ومواردها الطبيعية، مثل هولندا في الصناعات المرتبطة بأشباه الموصلات، وسويسرا في الصناعات الدوائية والتقنيات الدقيقة، وسنغافورة في التكنولوجيا والتصنيع والخدمات اللوجستية. وهي نماذج لا تقوم على استنساخ التجربة، وإنما على توطين المعرفة وبناء منظومات إنتاجية متخصصة تجعل من الإنسان والمؤسسة والتكنولوجيا عناصر متكاملة في صناعة القيمة.
وفي هذا السياق، تتقدم الأخلاق المعرفية باعتبارها ضرورة موازية للتقدم التكنولوجي، إذ لم يعد السؤال متعلقاً بامتلاك المعرفة وقدرة التكنولوجيا فقط، وإنما بكيفية توظيفها ومسؤولية استخدامها والغاية التي توجهها. فالمعرفة عندما تقترن بالقيم تصبح أداة للبناء والاستقرار، والتكنولوجيا عندما تحكمها المسؤولية تتحول إلى قوة تخدم الإنسان والدولة والمجتمع...وهذا ما ينسجم مع نهج يقوم على الهندسة المعرفية في مجالاتها الحيوية، بحيث لا تبقى المعرفة إطاراً تعليمياً أو بحثياً منفصلاً عن الاقتصاد، وإنما تتحول إلى قاعدة للإنتاج والتصنيع والخدمات والتكنولوجيا والإدارة. فاقتصاد المرحلة المقبلة لن تقوده الموارد وحدها، وإنما القدرة على تحويل المعرفة إلى منتجات وحلول وصناعات وأسواق.
والأردن يمتلك في هذا السياق عناصر يمكن البناء عليها من الاستقرار السياسي والأمني، إلى موقعه الذي يجعله متصلاً بالعراق وسوريا وفلسطين والخليج والبحر الأحمر، إلى رأس ماله البشري وقدرته على التعامل مع قطاعات المعرفة والتكنولوجيا والخدمات. وهي عناصر يمكن أن تتكامل لتشكيل نموذج أردني يقوم على إنتاج القيمة من الموقع والمعرفة معاً.
ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يقوم به ولي العهد في تقديم الأردن بصورة مختلفة؛ صورة الدولة التي لا تكتفي بالتعامل مع الأزمات المحيطة بها، وإنما تعمل على بناء موقعها في المرحلة المقبلة، عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار والربط اللوجستي والصناعات المعرفية، بالتوازي مع حضورها السياسي والأمني.!؟ ..ولعل هذا ما يجعل عنوان «هندسة
الثقل الإقليمي» أكثر من توصيف لنشاط ولي العهد؛ فهو يعكس مساراً أردنياً يقوم على تحويل عناصر القوة المتفرقة إلى منظومة واحدة، يكون فيها الأمن داعماً للاقتصاد، والاقتصاد داعماً للتكنولوجيا، والتكنولوجيا داعمة للإنتاج، والإنتاج داعماً للقدرة على الربط، والربط مولداً لمصالح إقليمية تجعل من الأردن مركزاً للتوازن والتكامل.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، فإن الأردن لا يحتاج إلى تغيير جغرافيته، بل إلى تعظيم قيمتها السياسية والاقتصادية والأمنية والمعرفية. وهذا ما يمكن أن تمنحه هندسة الدور الجديدة، بحيث يصبح الأردن مركز ثقل لا يقوم على الهيمنة، وإنما على التوازن، ولا يقوم على الموارد وحدها، وإنما على القدرة على تحويل الموقع والإنسان والمعرفة إلى منظومة إنتاجية متكاملة.
وتكمن دلالة "الحسين" في أن هندسة المستقبل الأردني لا تنفصل عن هندسة موقع الأردن في الإقليم؛ فالمستقبل الذي يراه لا يقف عند حدود الجغرافيا والاستثمار النمطي، وإنما يسمو إلى بناء حالة أردنية تنسجم مع متطلبات الهندسة المعرفية والذكاء الاصطناعي، وتحوّل عناصر الموقع والإنسان والمعرفة إلى قوة إنتاجية بما يحول الاقتصاد النمطي القائم على الخدماتيه الى منهجيه الاقتصاد الانتاجي كما تبيّن ثقل الدور الأردني وترسم ملامح نموذج اردن الغد....
وهنا تتجاوز هندسة المعرفة حدود الاقتصاد والتكنولوجيا لتصبح هندسة للدور والمكانة الرسالة حيث تعظم حضور الأردن في محيطه، وتمنحه قدرة أكبر على صناعة التوازن وفتح مسارات جديدة للمستقبل وكما تعيد تأكيد قيم الضاد
من خلال «أردن الرسالة»؛ الأردن الذي يجعل من المعرفة جسراً، ومن الموقع دوراً، ومن الإنسان أساساً، ومن الرسالة عنواناً لحضوره في الإقليم والعالم الذى اتخذ عنوان " انسة المواطنه عبر بيان الهندسه المعرفية وترسيخ قيمها نهجا وممارسة ".
