بقلم : م نبيل إبراهيم حداد
يصعب أن نكتب التاريخ بصيغة «ماذا لو؟»، لأننا لا نستطيع أن نعرف على وجه اليقين كيف كانت الأحداث ستتطور لو سلكت الدول العربية مساراً مختلفاً منذ منتصف القرن العشرين. لكن التفكير الافتراضي يبقى مفيداً إذا لم يكن الهدف منه إعادة كتابة التاريخ، بل فهم كلفة الخيارات السياسية التي اتُّخذت، والفرص التي ربما ضاعت نتيجة تلك الخيارات.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق النقاش: ماذا كان يمكن أن يكون عليه العالم العربي لو لم تنتشر فيه الانقلابات العسكرية؟
هذا السؤال لا يعني أن الأنظمة التي سبقت الانقلابات كانت ديمقراطيات مكتملة أو خالية من المشكلات. فقد عانت دول عربية عديدة من ضعف المشاركة السياسية، وهيمنة النخب التقليدية، والتفاوت الاجتماعي، والتدخل الخارجي، وضعف الإدارة، وعدم اكتمال المؤسسات الدستورية.
لكن من الخطأ أيضاً تصوير تلك الدول وكأنها كانت تعيش في فراغ سياسي كامل.
ففي مصر والعراق وسوريا والسودان، على سبيل المثال، وُجدت قبل الانقلابات بدرجات متفاوتة أحزاب سياسية، وبرلمانات، وانتخابات، وصحافة، ونخب مدنية، وحركات اجتماعية. وكانت هذه التجارب تعاني اختلالات واضحة، لكنها كانت في الوقت نفسه تمثل بدايات حياة سياسية كان من الممكن أن تتطور بالتدريج.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم كلف عصر الانقلابات: لم يكن الانقلاب مجرد تغيير حكومة، بل كان في كثير من الأحيان قطعاً لمسار التطور السياسي والمؤسسي قبل أن يصل إلى مرحلة النضج.
أحزاب موجودة لكنها غير مكتملة
من المهم التمييز بين عدم وجود الأحزاب وبين ضعفها.
ففي مصر كان حزب الوفد قوة سياسية جماهيرية حقيقية قبل ثورة يوليو 1952، إلى جانب أحزاب واتجاهات سياسية أخرى. وفي سوريا كان هناك الحزب الوطني وحزب الشعب، إضافة إلى تيارات قومية ويسارية وسياسية متعددة. وفي العراق وُجدت أحزاب قومية وليبرالية ويسارية، كما وُجد برلمان وحياة سياسية وإن كانت مقيدة في بعض المراحل. أما السودان فقد عرف أيضاً تنافساً حزبياً وبرلمانياً قبل انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958.
المشكلة إذاً لم تكن أن الحياة السياسية كانت معدومة، بل أنها كانت في طور البناء.
والأحزاب السياسية لا تنضج خلال سنوات قليلة. فهي تحتاج إلى انتخابات متكررة، وتجربة في الحكم والمعارضة، وتداول للقيادات، وتراكم في الخبرة، وقبول بفكرة أن خسارة الانتخابات لا تعني نهاية الحزب، وأن سقوط الحكومة لا يعني سقوط الدولة.
وكانت هذه المؤسسات بحاجة إلى إصلاحات عميقة، لكنها كانت تحتاج أيضاً إلى الوقت.
أما الانقلاب العسكري فيقوم على فكرة مختلفة: أن أزمة النظام لا تُعالج من داخله، بل يتم استبدال النظام نفسه.
عندما أصبح الجيش طريقاً إلى الحكم
من أخطر التحولات التي أحدثتها الانقلابات العربية أنها جعلت المؤسسة العسكرية جزءاً مباشراً من معادلة الوصول إلى السلطة.
قبل ذلك، كان الصراع السياسي، مهما كانت عيوبه، يجري أساساً داخل المجال المدني: بين القصر والحكومة، وبين الأحزاب، وفي البرلمان، وعبر الانتخابات والصحافة والشارع السياسي.
أما عندما أثبتت مجموعة محدودة من الضباط أنها تستطيع الاستيلاء على السلطة من خلال السيطرة على المراكز الحساسة في العاصمة وإعلان سقوط النظام، فقد تغير مفهوم السلطة ذاته.
أصبح الجيش، أو مجموعات داخله، قادراً على إعادة صياغة الدولة من فوق.
وهنا انتقلت المنطقة من صراع سياسي حول من يحكم؟ إلى سؤال أخطر: من يملك القوة القادرة على إسقاط من يحكم؟
وهذا التحول لم يؤثر فقط في الدول التي نجحت فيها الانقلابات، بل في الدول التي خافت من انتقال العدوى إليها.
من الانقلاب إلى الخوف من الانقلاب
بعد انتشار الانقلابات، أصبحت الأنظمة العربية تفكر باستمرار في كيفية حماية نفسها من الجيش أو من مجموعات داخله.
وهنا ظهرت ترتيبات معقدة هدفها منع وقوع انقلاب جديد: تعدد أجهزة الأمن والمخابرات، توزيع مراكز القوة، إنشاء قوات خاصة أو وحدات موازية، اختيار القيادات على أساس الثقة السياسية وليس الكفاءة العسكرية فقط، ومراقبة الجيش من داخل الدولة نفسها.
وهكذا ظهرت ظاهرة يمكن وصفها بأنها تحصين النظام ضد الانقلاب.
لقد انقسمت الدول العربية إلى نموذجين مختلفين، لكنهما انطلقا من المشكلة نفسها.
في بعض الدول أصبح العسكري حاكماً، ولو ارتدى لاحقاً الزي المدني.
وفي دول أخرى جرى بناء أجهزة أمنية قوية لضمان ألا يصبح العسكري حاكماً.
وبذلك لم يعد تأثير الانقلابات مقتصراً على الدول التي وقع فيها الانقلاب، بل أصبح الخوف من الانقلاب جزءاً من الثقافة السياسية الإقليمية.
من دولة التنمية إلى دولة الحماية
عندما تصبح حماية النظام أولوية دائمة، ينعكس ذلك على توزيع الموارد وعلى طريقة إدارة الدولة.
فإنشاء أجهزة أمنية متعددة، والمحافظة على هياكل موازية، ومراقبة المجتمع، وإدارة التوازنات داخل الجيش، كلها تحتاج إلى أموال وكفاءات ووقت وجهد إداري.
ولا يعني ذلك أن الإنفاق الأمني لم يكن ضرورياً. فقد واجهت الدول العربية حروباً وتهديدات خارجية وصراعات إقليمية وتدخلات دولية حقيقية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول مفهوم الأمن من أمن الدولة إلى أمن النظام.
وهنا يصبح السؤال اقتصادياً وإدارياً بقدر ما هو سياسي.
فكل دينار وكل وظيفة وكل مؤسسة توجَّه إلى حماية النظام لا يمكن استخدامها في الوقت نفسه في التعليم أو الصناعة أو البنية التحتية أو الإدارة أو التنمية الاقتصادية.
وهذا هو جوهر مفهوم كلفة الفرصة الضائعة.
لا يمكننا حساب هذه الكلفة بدقة، لكن من المشروع أن نسأل: كم من الموارد العربية كان يمكن أن يذهب إلى تطوير المدارس والجامعات والصناعة والإنتاج لو لم تكن حماية النظام من خصومه الداخليين هاجساً دائماً؟
أثر الانقلابات على الديمقراطية
الديمقراطية لا تُبنى بقرار واحد.
هي عملية تراكمية تحتاج إلى أحزاب، وبرلمان، وقضاء، وصحافة، ومجتمع مدني، وإدارة مستقرة، وثقافة سياسية تقبل بفكرة المعارضة والتداول.
لكن عندما يصبح الاستيلاء على السلطة بالقوة احتمالاً دائماً، تتغير قواعد اللعبة.
فالحزب الذي يخسر السلطة لا يثق بأنه سيعود إليها عبر الانتخابات.
والحاكم الذي يخشى الإطاحة به لا ينظر إلى المعارضة باعتبارها منافساً سياسياً، بل باعتبارها تهديداً.
وهكذا تتحول السياسة من منافسة على إدارة الدولة إلى صراع على البقاء.
وفي هذه البيئة يصعب أن تنمو حياة حزبية مستقرة.
ومن هنا فإن الضرر الذي أحدثته الانقلابات لم يكن فقط في إقامة أنظمة عسكرية، بل في إعاقة تطور مفهوم السياسة المدنية ذاته.
عبد الناصر وانتشار النموذج الثوري
لا يمكن دراسة هذه الظاهرة دون التوقف عند ثورة يوليو 1952 وصعود جمال عبد الناصر.
ولا يعني ذلك تحميل عبد الناصر مسؤولية جميع الانقلابات في العالم العربي، فلكل دولة ظروفها وأزماتها الداخلية، كما أن بعض الانقلابات سبق اكتمال المشروع الناصري.
لكن نجاح الثورة المصرية، ثم صعود عبد الناصر كزعيم عربي ذي شعبية واسعة، أعطى نموذج الضباط الأحرار جاذبية كبيرة.
وأصبح إسقاط النظام القائم عن طريق الجيش يبدو لكثير من الضباط والحركات السياسية طريقاً سريعاً إلى التغيير.
كما أن الخطاب الثوري الإقليمي ساهم في زيادة شعور الملكيات والحكومات المحافظة بأنها مستهدفة.
وهكذا كان للمشروع الناصري أثر مزدوج: ألهم حركات انقلابية في بعض الدول، وفي الوقت نفسه دفع دولاً أخرى إلى تعزيز أجهزتها الأمنية وحماية أنظمتها.
وبذلك أسهمت البيئة الإقليمية في جعل الأمن السياسي أولوية لدى الجميع تقريباً، سواء كانوا ثوريين أو مناهضين للثورة.
من الحكم العسكري إلى الحكم الأمني
مع مرور الوقت، لم تبق كل الأنظمة العربية أنظمة عسكرية مباشرة.
ففي عدد من الدول ترك الضباط الزي العسكري وظهروا كرؤساء مدنيين، وأنشئت أحزاب حاكمة وبرلمانات ودساتير.
لكن الشكل المدني لم يكن يعني بالضرورة أن الحياة السياسية أصبحت مدنية فعلاً.
فقد بقيت المؤسسة العسكرية والأمنية جزءاً رئيسياً من بنية السلطة.
وهكذا ظهر نموذج جديد يمكن وصفه بأنه:
مدني في الشكل، أمني في البنية.
وهذا النموذج ربما كان أكثر استمرارية من الحكم العسكري المباشر، لأنه جمع بين المؤسسات الشكلية وبين السيطرة الأمنية العميقة.
تجزؤ القوة السياسية والنفوذ الخارجي
لكن المشكلة لم تتوقف عند حدود الديمقراطية أو الاقتصاد.
فعندما تتوزع القوة داخل الدولة بين الجيش، والأمن، والرئاسة، والأحزاب، والتنظيمات المختلفة، تصبح الدولة أكثر عرضة للتأثير الخارجي.
الدولة ذات المؤسسات الواضحة والقرار السياسي المتماسك تستطيع التعامل مع القوى الخارجية من خلال قنوات رسمية.
أما الدولة التي تتنافس داخلها مراكز القوة، فإن كل طرف قد يبحث عن دعم خارجي يساعده في مواجهة منافسيه.
وهنا تتحول العلاقة الدولية من علاقة دولة بدولة إلى علاقة قوة خارجية بأطراف داخل الدولة.
وقد ظهر هذا بوضوح خلال الحرب الباردة، حين تنافست الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا على النفوذ في المنطقة، واستخدمت المساعدات العسكرية وصفقات السلاح والعلاقات الاستخبارية والدعم الاقتصادي كأدوات للتأثير.
وهنا تظهر مفارقة مهمة.
فكثير من الانقلابات رفعت شعار التحرر من النفوذ الأجنبي، لكن ضعف المؤسسات الوطنية وتجزؤ مراكز القوة قد يجعلان التدخل الخارجي أسهل لا أصعب.
فعندما يحتاج كل طرف إلى سند من الخارج، تصبح القوى الأجنبية أكثر قرباً من مركز القرار الوطني.
ويمكن تلخيص هذه العملية في سلسلة بسيطة:
ضعف المؤسسات ← صراع داخلي ← تعدد مراكز القوة ← بحث عن دعم خارجي →←زيادة النفوذ الأجنبي ← ضعف استقلال القرار الوطني.
هل كان غياب الانقلابات سيضمن النجاح؟
بالطبع لا.
ليس هناك ما يضمن أن استمرار الأنظمة السابقة كان سيقود تلقائياً إلى الديمقراطية أو الازدهار.
فقد كانت هناك مشكلات كبيرة: فقر، وتفاوت اجتماعي، وضعف مشاركة سياسية، وفساد، وتدخل أجنبي، وصراع عربي إسرائيلي، ونمو سكاني سريع.
كما أن بعض الأنظمة التي جاءت بعد الانقلابات حققت إنجازات حقيقية في التعليم، والإصلاح الزراعي، والخدمات العامة، والصناعة الوطنية.
ولهذا فإن النقاش ليس بين ماضٍ مثالي وانقلاب كارثي.
السؤال الحقيقي هو:
هل كان من الممكن إصلاح الأنظمة والمؤسسات القائمة من داخلها بدلاً من إلغاء التجربة السياسية وإعادة بناء الدولة من الصفر؟
كلفة إعادة التشغيل السياسي
من منظور الإدارة والتخطيط، يمكن النظر إلى الانقلاب باعتباره نوعاً من إعادة التشغيل الكامل للنظام السياسي.
لكن الدول لا تُبنى بهذه الطريقة.
التطور المؤسسي يحتاج إلى التراكم.
البرلمان يتعلم من أخطائه.
الحزب يتطور من جيل إلى آخر.
الإدارة العامة تبني خبرتها.
القضاء يرسخ تقاليده.
والدستور يصبح أقوى عندما يمر باختبارات متعددة ولا يُلغى عند أول أزمة.
أما عندما يعاد بناء النظام السياسي بعد كل انقلاب، فإن المجتمع يبدأ باستمرار من نقطة قريبة من الصفر.
وهنا كانت إحدى المشكلات الكبرى في التجربة العربية: ضعف التراكم المؤسسي.
كلفة الفرصة الضائعة
لهذا ربما يجب ألا نقيس كلفة الانقلابات فقط بعدد الحكومات التي أُسقطت أو بعدد السنوات التي حكم فيها العسكريون.
الأهم هو ما لم يحدث.
كم حزباً كان يمكن أن يتطور لو استمرت الانتخابات؟
كم قائداً مدنياً كان يمكن أن يظهر من خلال العمل السياسي الطبيعي؟
كم مؤسسة كان يمكن أن تكتسب استقلالها خلال ثلاثين أو أربعين عاماً من الاستمرار؟
كم كان يمكن للاقتصاد أن يستفيد من بيئة أكثر استقراراً؟
وكم كان يمكن أن يكون القرار الوطني أكثر استقلالاً لو كانت الدولة أكثر تماسكاً وأقل اعتماداً على دعم خارجي لموازنة أطرافها الداخلية؟
هذه الأسئلة لا توجد لها إجابات رقمية دقيقة، لكنها تساعدنا في فهم حجم الخسارة التاريخية.
الخلاصة
ربما لم يكن أخطر ما فعلته الانقلابات العسكرية في العالم العربي هو إسقاط ملك أو رئيس أو حكومة.
الأثر الأعمق أنها غيّرت قواعد الحياة السياسية نفسها.
ففي بعض الدول أصبح الجيش طريقاً إلى السلطة.
وفي دول أخرى أصبح منع الجيش من الوصول إلى السلطة أولوية للنظام.
وفي الحالتين تضررت السياسة المدنية.
ومع تراجع الأحزاب، وضعف البرلمانات، وتضخم الأجهزة الأمنية، أصبحت الحكومات أكثر انشغالاً بالبقاء، بينما فتحت تجزئة مراكز القوة الباب بصورة أكبر أمام النفوذ الخارجي.
ويمكن تلخيص التجربة في سلسلة مترابطة:
انقلاب عسكري ← خوف من انقلاب آخر ← تضخم أمني ← ضعف المؤسسات المدنية ← تراجع الحياة الحزبية ← تركيز السلطة →← زيادة قابلية الدولة للتأثير الخارجي.
ولا يعني ذلك أن غياب الانقلابات كان سيصنع تلقائياً عالماً عربياً ديمقراطياً ومتقدماً.
لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً بعد أكثر من سبعة عقود:
ماذا لو مُنحت المؤسسات السياسية العربية الوقت والفرصة نفسيهما اللذين مُنحا للأجهزة العسكرية والأمنية لكي تنمو وتتطور؟
فالدولة القوية ليست الدولة التي تستطيع فقط حماية نظامها، بل الدولة التي تستطيع مؤسساتها الاستمرار مهما تغير الحكام.
وربما كانت إحدى أهم كلف عصر الانقلابات أن حماية السلطة أصبحت في كثير من الأحيان تسبق تطوير الدولة، وأن أمن النظام تقدم على نمو الحياة السياسية، وأن صراع الحكم استهلك جزءاً كبيراً من الطاقة التي كان يمكن أن تُستخدم في بناء المستقبل.
