بقلم: مؤيد أحمد المجالي
في الخامس من تشرين الأول، في اليوم العالمي للمعلمين، تتكرر الكلمات الجميلة عن المعلم.
نقول إنه صاحب رسالة، وباني الأجيال، وصانع المستقبل، ونكتب عبارات الامتنان على صفحاتنا، وتُلقى الكلمات في الاحتفالات، وتُرفع الشعارات التي تضع المعلم في المكانة التي يستحقها.
لكن المعلم، بعد انتهاء الاحتفال، يعود إلى صفه.
يعود إلى راتبه، إلى التزاماته، إلى ازدحام الصفوف، إلى أوراق التصحيح، إلى التحضير، إلى ضغط العمل، وإلى أسئلة كثيرة يحملها معه إلى البيت، بعضها يتعلق بطلابه، وبعضها يتعلق بحياته هو.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
المعلم الأردني لا يحتاج إلى من يذكره كل عام بأنه "صاحب رسالة"، فهو يعرف ذلك أكثر من الجميع. لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يشعر بأن المجتمع والدولة ينظران إلى هذه الرسالة باعتبارها عملاً يستحق التقدير المادي والمهني والإنساني، لا التقدير المعنوي وحده.
فالمعلم الذي نطلب منه أن يبني جيلاً قادراً على التفكير والإبداع، يحتاج هو أيضاً إلى حياة تمنحه شيئاً من الطمأنينة.
راتبه ليس مجرد رقم في كشف الرواتب.
وراء ذلك الرقم بيت، وأسرة، وأبناء، وأقساط، ومواصلات، وفواتير، واحتياجات يومية، وطموحات مؤجلة. وعندما يصبح الجزء الأكبر من دخل الإنسان مخصصاً لتأمين الضروريات، يصبح الحديث عن الإبداع المهني أكثر صعوبة.
ولا ينبغي أن يكون السؤال: هل يتقاضى المعلم راتباً؟
بل: هل يتيح له راتبه أن يعيش حياة كريمة تليق بمن نحمّله مسؤولية تربية أبنائنا؟
ثم هناك حقوق المعلم المهنية.
المعلم يحتاج إلى بيئة مدرسية تحترم دوره، وإلى تدريب حقيقي ومستمر، وإلى مسار واضح للترقية والتقدم المهني، وإلى تقييم عادل للأداء، وإلى حماية من الإرهاق الوظيفي، وإلى إدارة مدرسية تمتلك القدرة على دعمه لا مجرد تقييمه.
ويحتاج، قبل كل ذلك، إلى أن يشعر بأن صوته مسموع.
فليس من العدل أن نتحدث عن تطوير التعليم دون أن يكون المعلم شريكاً حقيقياً في هذا التطوير.
لقد تغيرت المدرسة كثيراً.
الطالب اليوم يعيش في عالم مفتوح، تحيط به التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومئات مصادر المعرفة. ولم يعد المعلم هو المصدر الوحيد للمعلومة، وإنما أصبح دوره أكثر تعقيداً: أن يعلم الطالب كيف يفكر، وكيف يميز الحقيقة من التضليل، وكيف يستخدم المعرفة، وكيف يكون إنساناً مسؤولاً.
وهذه المهمة الجديدة تحتاج إلى معلم أكثر تأهيلاً، لكنها تحتاج أيضاً إلى ظروف أفضل.
وهنا تظهر الفجوة المؤلمة بين الخطاب والواقع.
نحن نتحدث كثيراً عن إصلاح التعليم، وعن الاستثمار في الإنسان، وعن بناء اقتصاد المعرفة، وعن المستقبل، وعن مهارات القرن الحادي والعشرين.
لكن المستقبل لا يُبنى في المؤتمرات وحدها.
إنه يُبنى داخل غرفة صف، يقف فيها معلم أمام عشرات الطلبة، يحاول أن يمنحهم ما يستطيع من علم ووقت وصبر.
ولذلك فإن إصلاح التعليم يبدأ من السؤال عن حال هذا المعلم.
هل يشعر بالأمان الوظيفي؟
هل يشعر بأن جهده يُقدّر؟
هل لديه الوقت الكافي للتخطيط والتطوير؟
هل يحصل على التدريب الذي يحتاجه؟
هل يستطيع أن يعيش بكرامة من دخله؟
وهل يشعر بأن المجتمع الذي يطالبه ببناء الإنسان يقف إلى جانبه عندما يواجه صعوبات المهنة؟
هذه ليست أسئلة ترفية.
إنها أسئلة تتعلق بجودة التعليم نفسه.
فلا يمكن أن نطلب من المعلم أن يكون ملهماً وهو يعيش دائماً تحت ضغط القلق. ولا يمكن أن نطالبه بأن يزرع الثقة في نفوس الطلبة بينما يشعر هو بأن مهنته لا تمنحه ما يكفي من الاعتراف والتقدير.
ومع ذلك، يبقى المعلم الأردني واحداً من أولئك الذين يواصلون العطاء رغم كل شيء.
كم من معلم بقي بعد انتهاء الدوام ليشرح لطالب لم يفهم الدرس؟
وكم من معلمة حملت همّ طالبة إلى بيتها؟
وكم من معلم اشترى من ماله الخاص شيئاً يحتاجه طلابه؟
وكم من معلمة حفظت أسماء أبنائها، وعرفت ظروفهم، وكانت بالنسبة لبعضهم أقرب إلى الأم منها إلى المعلمة؟
هذه التفاصيل الصغيرة لا تظهر في الإحصاءات.
لكنها هي التي تصنع التعليم الحقيقي.
وفي يوم المعلم، ربما لا نحتاج إلى المزيد من عبارات المديح بقدر ما نحتاج إلى ترجمة المديح إلى سياسات.
أن يكون تحسين دخل المعلم جزءاً من احترامه.
وأن تكون حقوقه المهنية واضحة ومحفوظة.
وأن تكون بيئة العمل أكثر إنسانية.
وأن يكون التقييم عادلاً.
وأن تكون الترقية قائمة على الكفاءة والإنجاز.
وأن يسمع صانع القرار صوت المعلم عندما يضع سياسات التعليم.
فالمعلم ليس بنداً في الموازنة، ولا رقماً في سجلات وزارة التربية، ولا مجرد موظف ينتظر نهاية الشهر.
إنه الإنسان الذي نضع بين يديه أبناءنا كل صباح، ثم ننتظر منهم بعد سنوات أن يكونوا أطباء ومهندسين وقضاة ومحامين وعلماء ومبدعين ومواطنين صالحين.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي في يوم المعلم ليس: كيف نشكر المعلم؟
بل:
كيف نجعل حياته جديرة بالرسالة التي نطلب منه أن يؤديها؟
كل عام ومعلمونا بخير.
وكل عام وهم يستحقون منا أكثر من كلمة "شكراً".
يستحقون أن يشعروا بأن المجتمع الذي يأتمنهم على أبنائه، والدولة التي تضع التعليم في مقدمة أولوياتها، يؤمنان فعلاً بأن كرامة المعلم هي جزء من كرامة التعليم، وأن مستقبل الوطن يبدأ من المكان الذي يقف فيه المعلم كل صباح.
