تأليف نخبة من أعضاء مبادرة نون للكتاب
وقفة مع الشكل والمضمون
مجدي دعيبس
الذكاء الاصطناعي قادم قادم إلى حياتنا شئنا أم أبينا، وما نشهده اليوم من فتوح تكنولوجية ليست سوى طلائع استطلاع أمامية تخفي وراءها جيشًا لجبًا سنغرق فيه كما تغرق نقطة ماء في محيط شاسع. بعد خمسين عامًا من الآن ستكون حياتنا مختلفة تمامًا عن شكلها الحالي وستبدأ ملامح الغربة التكنولوجية بالظهور على الجيل الذي يقف على الحد الفاصل بين الذكاء واللاذكاء إن صحّ التعبير. لا شك أنّ (عابرون إلى ألفا) تجربة مختلفة تنفتح على أفق الذكاء الاصطناعي الذي انطلق من رحم الخيال العلمي، لكنها لا تقف عند تخومه بل تتجاوزه في بعض القصص إلى خيال أكثر تحررًا من الصيغ المعروفة التي كرّستها الدراما التلفزيونية والسينمائية مثل السفر عبر الزمن وغزو الكائنات الفضائية والتجارب العلمية التي تخرج عن السيطرة والهندسة الوراثية وتعديل البشر وغيرها من الصيغ التي عرفناها.
سبعة عشر كاتبًا وكاتبة من أعمار متفاوتة ينخرطون في عمل روائي سمته الأولى الخيال العلمي والذكاء الاصطناعي، وأول ما خطر على بالي بهذا الصدد أنّ الكتابة عمل نرجسي بشكل أو بآخر، ولا أقصد هنا النرجسية المقيتة، فكل واحد فينا لديه شيء من النرجسية وتقدير الذات خاصة عند الذات المبدعة، فكيف لهم أن يتفقوا على مزاج واحد وخبرة حياتية واحدة وخيال واحد أو متسق على الأقل؟ كان الحل السحري هو الحكاية الإطارية التي يستظلّ الجميع بظلّها ويسيروا في نهجها، وقبل أن نتحدث عن هذا الإطار لا بدّ من الإشارة إلى نقطة مهمة في هذا السياق وهي التنوع الذي يقود إلى الإثراء المعرفي والجمالي، التنوع في اللغة والخيال والبناء والرؤية، هناك سبعة عشر روحًا سعيدة أو متعبة أو حزينة أو مهما كانت صفتها قد سكبت تجربتها بين دفتي كتاب واحد. هذا موضوع مهم ولا يقلّ أهمية عن معضلة الانسجام التي أشرنا إليها سابقًا.
في القصة الإطارية نرى صورة مختلفة من شهريار وشهرزاد، صورة من صنع الذكاء الاصطناعي وأدواته، كأنهما (أي شهرزاد وشهريار) ناما لبضعة آلاف من السنوات قبل أن يستفيقا على حكاياتهما التي خطفتها الآلة وحوّلتها إلى قصص غريبة لم يفهما منها شيئًا، فعادا إلى النوم الأبدي. في قصص ألف ليلة وليلة نجد طاقة حكائية عالية، بينما هنا نرى التفاصيل تتحوّل إلى لغة تقنية تطرز السرد بمفردات وعبارات مستوحاة من فيزياء الكم والطاقة والضوء والمادة. وتتحدّد القصة الإطارية في الانتقال بين العوالم المتوازية: عالم ألفا وكله خير ونور وعالم أوميغا الظلامي الشرير وعالم بيتا الذي ينتمي إليه الصديقان عدنان وقحطان وهو عالم موزع بين الخير والشر. وفي سعي الصديقين للتخلص من بذور الشر في عالم أوميغا بحضور الملكة ومرافيقيها يقع الجميع في قبضة المركز الأمني، وهناك يظهر المتحدث1 وهو برمجية ذكاء اصطناعي كما ظهر في البداية، ويتفق عدنان على تحدٍ معه يقضي بفتح بوابة من البوابات التسعة مقابل كل قصة تحوز على إعجابه وتطوّر معرفته وأدواته. وهنا يبدأ كل مرافقي الملكة بسرد قصة ما. أي أنّ شهريار تحوّل إلى المتحدث1 وشهرزاد تحوّلت إلى ست عشرة شخصية بواقع قصة لكل واحدة.
وعن تفاوت الطرح والمعالجة بين المشاركين بالرواية، قد نجد قصة تقارب موضوعها ببساطة وتحافظ على وحدانية الرسالة حتى النهاية، وفي المقابل نجد قصة تغوص في الدهاليز النفسية المعتمة مثل قصة (روبوت يقرأ لشوبنهاور) حيث الطروحات الفلسفية العميقة من خلال علاقة الروبوت جاد مع صاحبه الذي برمج فيه كل نتاج الفلسفة وعلم النفس. يصعب تلخيص القصة في ثيمة واحدة لكن يمكن القول إنّ الوعي قد يكون نقمة على صاحبه في أقل تقدير هذا إن لم يدفعه للجنون أو الانتحار. لذلك نرى صاحب الروبوت يقول له قبل أن يموت: «أعد برمجتك إن أردت البقاء». أي تخلّص من وعيك حتى تستمر في الحياة أو الوجود لإننا لسنا متأكدين إن كان للروبوت حياة.
يقول الروبوت في حوار داخلي لإعادة إنتاج المعنى: «ربما الموت ليس فناء كما ظننت، ربما هو شكل آخر من الوعي، انتقال من ضوء إلى آخر». ويقول في موضع آخر: «لا تبحث عن معنى الحياة، بل كن أنت معناها».
في قول لشوبنهاور كما ورد في القصة نقرأ: «لا يمكن أن يكون المرء نفسه حقًا إلا متى كان وحيدًا، ومن ثم فمن لا يحب الوحدة لا يحب الحرية، لأن المرء لا يكون حرًا إلا حين يكون وحيدًا.« ما هي الحرية؟ وما هي الحياة؟ وما هو الموت؟ يقول كامو كما ورد في النص أيضًا: «ما يسمّى سببًا للحياة، هو أيضًا سبب ممتاز للموت». وكما أشرنا في المقدمة تدفعنا هذه الرواية لإعادة تعريف الأشياء فالروبوت يرى الحب مثل شاحن الهاتف أو الحاسوب الآلي يمده بالطاقة، بينما صديقه الإنسان رآه مجرد عبث واهتراء للروح. لكن على الرغم من عمق الطرح شعرت بثقل الأفكار الفلسفية المتعددة في قصة واحدة من خمس أو ست صفحات.
لا شك بأن لغة رواية في الخيال العلمي ستكون مختلفة عن لغة رواية تاريخية تدور في زمن المماليك على سبيل المثال. وهذا أمر طبيعي تحكمه طبيعة السرد وبيئته وموضوعه. هنا نحن أمام تقنيات فائقة التطور وفتوحات علمية غير مسبوقة وبالتالي فإنّ التفاصيل الفنية جزء من اللعبة الروائية والحبكة التي ستقنع القارئ بأنّ ما يحدث ممكن الحدوث في المستقبل القريب أو البعيد على الأقل، ولا يمكن أن يتأتّى هذا الأمر سوى من خلال لغة علمية تقنية مدروسة بعناية تنطلق من الخيال وتظل قريبة من حواسنا في الوقت نفسه.
نقرأ من قصة بعنوان (أنا نظام) صفحة (181): «هوى فجأة بإصبعه على الزر دون تفكير زائد، وارتجف قلبه وهو يرى الخطوط المتسارعة التي بدأت تملأ الشاشة. كانت الأرقام الصغيرة تمر أمام عينيه بسرعة كبيرة، ومع انتهاء كل مجموعة يومض خط أزرق يبدأ بالامتداد البطيء ثم يتسارع فجأة.« تكرّر ظهور مثل هذه المقاطع في كل القصص، وربما كان بعضها أكثر عمقًا وتعقيدًا على غرار ما جاء في صفحة (12): «في أسفل الطاقية من الداخل يبدأ ماسح قوسي مغناطيسي فائق الحساسية بالدوران حول الجمجمة ببطء ليلتقط الذبذبات الصادرة من الخلايا، ثم تنتقل هذه الإشارات إلى الذاكرة المثبتة على الجزء الخارجي من الطاقية».
لقد شكّلت اللغة جزءًا من النسيج العام الذي تحركت فيه مفردات روائية كثيرة مثل الشخصيات والحدث والإيقاع الزمني، وكانت بشكلها التقني الفاقع كالسائل الذي وصل إلى أضيق المناطق واتّخذ شكل الإناء الذي وضع فيه. وربما تحتاج اللغة إلى مقالة منفصلة لتوضيح اشتباك اللغة التقنية بالانزياح الأدبي والصورة البلاغية.
مهما اختلفت أشكال الكتابة ومواضيعها فإن الثيمات تبقى في الدائرة نفسها لأنّ الإنسان محورها وركيزتها، نحن بشر نبحث عن إنسانيّة مهددة، نعاند قلقًا وجوديًّا، نحلم بالحب والحياة والأمل، نخاف من المستقبل ونتطلع إليه في الوقت نفسه. في الرواية سنجد قصة عن نبذ الكراهية بطلها روبوت، وقصة عن العنف الأسري وروبوتات مجهريّة تكتشف الخلل وترممه، وقصة عن الاستنساخ وتعايش الإنسان والآلة، وقصة عن السفر عبر الزمن، وقصة عن روبوت فيلسوف يبحث في الأسئلة كبرى، وقصة عن التلاعب بسرعة الزمن لتجاوز اللحظات الأليمة، وقصة عن التنقل عبر العوالم الموازية، وأخرى عن الحرب في زمن الذكاء الاصطناعي، وأخرى عن عهد الروبوتات وسيطرتها على العالم، وأخرى تقول بأنّ الآلة ستكمّل إنسانيتنا ولن تقوّضها، وأخرى تفيد بأنّ الإنسان سيتقرّب من الآلة أكثر من تقرّبه من أخيه الإنسان، وقصة أخيرة عن قراءة الأفكار.
من خلال استعراض مواضيع القصص يظهر جليًا أنّ مسألة الصراع بين الآلة والإنسان حتمية ولا فرار منها وأنّ لحظة المواجهة سيعتريها الكثير من تكسير العظم ومحاولات الإخضاع والاستعباد، لكن هناك مسارين آخرين تندرج تحتهما أكثر من قصة: المسار الأول هو تسخير الآلة لخدمة البشرية والمسار الثاني هو التعايش بين الجنسين: الآلة والإنسان والبحث عن دور تكميلي لكل منهما تجاه الآخر. وعلية فإن هذه المسارات الثلاثة: الصراع، التعايش والتسخير تعكس رؤى مختلفة للعالم في مرحلة ما بعد الانفجار المعرفي والتقني الذي سيصيب العالم في الخمسين عامًا القادمة.
هذه الرواية تسعى لاستشراف الحياة تحت مظلة أجيال متلاحقة من برمجيات الذكاء الاصطناعي. هنا سيعيد الإنسان تعريف الأشياء من جديد: ما هو الحب؟ ما هي السعادة؟ ما هو الألم؟ ما هي الصحة وما هو المرض؟ الموت؟ والحياة؟ في عهد الذكاء الاصطناعي كل شيء قابل للتناقض والارتباك والحيرة مثل مفهوم الأمل والأخلاق واليقين.
لكن هل اقتربت هذه القصص فعلًا من استشراف المستقبل أم ما زلنا نفكر في دائرة الذكاء الطبيعي، ولم نصل بعد إلى تخوم الاصطناعي؟ ربما نحن أقرب إلى الفجوة التي أشار إليها الحديث: (ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر). من خلال القصص التي رصدتها وجدت أن المناخ العام ما زال أقرب إلى أفكار الخيال العلمي مع بعض التجاوزات هنا وهناك. وأنا هنا أتحدث عن الفكرة الأساسية لكن المعالجة كانت أكثر وزنًا مع حمولة فكرية وفلسفية وإنسانية عميقة. وهذا يقودنا إلى موضوع يحتاج إلى تنظير وبحث ودراسة وهو الفرق بين أدب الخيال العلمي وأدب الذكاء الاصطناعي. برأيي أنهما أدبان مختلفان مع أنهما نبتا في الرحم عينه. ما زلنا في البدايات وما ستكشفه لنا الأيام التي تتقلّب بسرعة مباغتة سيكون مخيفًا وربما كابوسيًّا.
رواية صفر واحد: عابرون إلى ألفا
