بقلم:
طارت الطيور بأرزاقها، وانتهى الاستحقاق الانتخابي للغرف الصناعية الاردن و الزرقاء واربد بالتزكية وانتهت الانتخابات لغرفة صناعة عمان بحصادٍ كامل ومشروع لكتلة غرفة صناعة عمان التي ترأسها المهندس فتحي الجغبير ، رسمت فيه الصناديق ملامح المرحلة القادمة للقطاع الصناعي الأردني. ومع إعلان النتائج الرسمية وفوز المهندس فتحي الجغبير وكامل أعضاء كتلته، توالت التهاني من الأوساط الاقتصادية والرسمية؛ لكن الصدى لم يخلُ -كما هي العادة في كل محفل ديمقراطي- من أصواتٍ نقدية قتيمة، حاولت التشكيك بنسبة التصويت وطبيعة الشريحة الممثلة للصناعيين.
وحتى لا تضيع الحقائق في زحام الملاحظات العابرة، فإن القراءة الرقمية والتحليلية الهادئة لمعطيات الانتخابات تفند هذه الادعاءات وتضع المشهد في نصابه الاقتصادي والمنهجي الصحيح:
أولاً: دلالات الأرقام
من أصل 1199 صناعياً ممن يحق لهم الاقتراع (المنشآت المسددة والفاعلة)، شارك في العملية الانتخابية 640 صناعياً، بنسبة مشاركة بلغت 53.3%. وفي الأعراف الانتخابية والمؤسسية، تُعدّ هذه النسبة ممتازة وعالية الدلالة على الرغم من أن 10 مرشحين تنافسوا على 9 مقاعد فقط ، إذ تعكس هذه النسبة حرص القاعدة الصناعية على إيجاد مجلس متجانس ومتوافق، قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية دون تجاذبات تعطّل مسيرة الإنجاز.
تتجلى قوة هذا التوافق بالنظر إلى النتائج الفردية؛ إذ حصد رئيس الكتلة 587 صوتاً بنسبة تأييد كاسحة تجاوزت 91.7% من إجمالي المقترعين، في حين نال أقل المرشحين فوزاً في الكتلة 513 صوتاً (ما نسبته 80.1%). وفي المقابل، لم يحصل المنافس المستقل سوى على 137 صوتاً. هذه الأرقام تؤكد حقيقة معبرة: أكثر من ثلثي المقترعين منحوا أصواتهم للكتلة كاملة، مما يعكس رغبة واضحة في استقرار القيادة الصناعية وحمايتها من التشرذم.
ثانياً: تفنيد مغالطة "شريحة التمثيل "
حاول البعض اختزال التمثيل الصناعي بادعاء أن مشاركة نحو 1199 صناعي من أصل 5650 شركة ومؤسسة مسجلة في الغرفة تعني أن المجلس يمثل أقل من ربع القطاع . وهذه مغالطة منهجية تتجاهل الهيكل القانوني والاقتصادي للقطاع.
إن الرقم الكلي (5650 منشأة) يضم في طياته عدداً كبيراً من الورش الصغيرة والأعمال الحرفية غير المصدرة أو الفاعلة في السجل التصديري والإنتاجي الرئيسي. وتجدر الإشارة إلى أن القانون صمم آلية تمثيل حكيمة تضمن حقوق هذه الفئات؛ فالصناعات الحرفية تمتلك تمثيلاً مخصصاً ومباشراً عبر "غرفة صناعة الأردن" وتمثل أيضا ضمن القطاعات الصناعية العشرة وبالتالي، فإن عدم انطباق شروط الاقتراع في انتخابات الغرف الصناعية على الحرفيين لا يعني تهميشهم، بل إن مصالحهم مخدومة ومكفولة قانونياً عبر ممثل الصناعات الحرفية في غرفة صناعة الأردن والعمل المؤسسي الشامل في الغرف .
ثالثاً: الدور الاستراتيجي لغرف الصناعة
إن الاختلاف في استيعاب دور غرفة الصناعة يوقع البعض في الخلط بين "رسم السياسات" و"تقديم الخدمات". فالمجالس المنتخبَة ليست مجرد أجهزة تنفيذية لتقديم الخدمات المباشرة للمنتسبين، بل هي بيوت خبرة وراسمة لسياسات القطاع الصناعي، ومحاورة للحكومة في القوانين والتشريعات والاتفاقيات التجارية ومطالبات الطاقة والضرائب. ومع ذلك، فإن الغرفة تقدم خدماتها الفنية والاستشارية طواعية وبكفاءة لكافة المنشآت المسجلة دون استثناء، بغض النظر عن حقها في الاقتراع.
ختاماً..
لقد أثبتت الصناديق أن القطاع الصناعي الأردني يبحث عن "الاستقرار والخبرة والإنجاز". وإن التشكيك بنسبة مشاركة تتجاوز 53% وبنسبة حسم تتجاوز 91% ليس سوى قراءة قاصرة عن فهم الواقع الاقتصادي. لقد اختار الصناعيون مَن يمثلهم ويمتلك أدوات التغيير والدفاع عن المنتج الوطني، لتبدأ مرحلة العمل الحقيقي لمواجهة التحديات الاقتصادية، بعيداً عن الجدل الذي حسمته إرادة الصناعيين بكل وضوح.
