( الضمان والناس )  -  917

 

​تُشكّل المبادرات الميدانية الشاملة، وفي مقدمتها مشروع "جسور الضمان" الذي تم إطلاقه بالشراكة بين مؤسسة الضمان الاجتماعي ومنظمة العمل الدولية ومنظمة النهضة العربية (أرض)، أرضية مهمة لإعادة تشكيل العلاقة التأمينية بين المؤسسة والمجتمع.

وبالتأكيد، فإن الوصول المباشر إلى الفئات الأقل حظاً والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي ليس مجرد إنجاز توعوي، بقدر ما هو خطوة جوهرية نحو إعادة بناء عقد اجتماعي يستند إلى الثقة المتبادلة والعدالة التأمينية الشاملة.

في قناعتي ​بأن الاستدامة الحقيقية لنظام الحماية الاجتماعية التأميني يتطلب البناء على عدد من المخرجات وتطويرها وفق محاور رئيسية:

الأول: ​ترسيخ الثقة والتشاركية المجتمعية:
إن بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسة الضمان الاجتماعي لا يتحقق بالرسائل التوعوية التقليدية، بل بالإنجاز المقنع والتواجد الميداني المنتِج، وتقديم الاستشارات القانونية والتأمينية الشفافة التي تشعر العامل بأن المؤسسة شريك أساسي لحماية مستقبله وليس مجرد "جابية" اشتراكات.

الثاني: ​الشمول الكلي للطبقة العاملة وأمن الدخل:
يجب الحرص على إدخال كافة شرائح الطبقة العاملة دون استثناء للعمالة الوافدة، أو العاملين في المهن الهشة والقطاعات غير المنظمة، تحت مظلة الضمان، بما يضمن تمكينهم من الوصول المستدام لـ أمن الدخل وتوفير حياة كريمة عبر راتب تقاعدي يصون الأمن المعيشي للعامل وأسرته.

الثالث: ​العدالة التقاعدية وتقليص الفجوة بين الأجور:
تتجسد العدالة الاجتماعية في هيكلية الرواتب التقاعدية نفسها؛ إذ يستوجب الأمر حماية أصحاب الدخل المحدود من خلال وضع حد أدنى للرواتب التقاعدية يصون كرامة العيش، وفي المقابل وضع سقوف منطقية للرواتب التقاعدية المرتفعة جداً. ذلك أن تقليص هذه الفجوة يعزز مفهوم التكافل ويضمن توزيع المنافع بالتساوي دون إرهاق كاهل صندوق الضمان.

الرابع: ​الوصول المباشر للفئات الهشة:
التركيز على الفئات المستضعفة كالنساء والشباب والعمالة غير المنتظمة في المحافظات ومناطق الأطراف الأقل حظا عبر وحدات دعم ميدانية دائمة تُقرب الخدمة والتوعية والاستشارة إلى نقاط تواجدهم.

الخامس: ​تفعيل الدور التنموي لصندوق التعطل عن العمل:
بات من الضروري الخروج عن الدور التقليدي لصندوق التعطل المحصور في صرف بدلات التعطل المؤقتة، والانتقال به إلى دور أوسع  وأكثر ديناميكيةً عبر توجيه جزء من موارده لتمويل برامج مخطّطة بعناية لإعادة التأهيل والتدريب وصقل مهارات المتعطلين بما ينسجم مع متطلبات سوق العمل المتغيرة، لتحويل فترة التعطل من أزمة إلى فرصة لإعادة التمكين.

​إن استدامة الحماية الاجتماعية في الأردن لا تتوقف عند حدود الورش والختام الدفترية، بل في تحويل مخرجات «جسور الضمان» إلى سياسات عملية ومستدامة، تجعل من الضمان الاجتماعي ملاذاً آمناً وداعماً أساسياً للأيدي العاملة.

(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).

خبير التأمينات والحماية الاجتماعية

الحقوقي/ موسى الصبيحي