بقلم: عوني الرجوب / باحث وكاتب سياسي
هناك مؤسسات في الدولة لا يجوز أن تكون ساحة للعبث السياسي، ولا مادة للتشهير، ولا هدفًا سهلًا للشائعات والحملات الممنهجة.
وفي مقدمة هذه المؤسسات تأتي دائرة المخابرات العامة الأردنية؛ المؤسسة الوطنية التي تعمل في صمت، بعيدًا عن الأضواء، وتتحمل مسؤوليات لا يعرف المواطن تفاصيلها، لأنها بطبيعتها مسؤوليات أمنية واستخبارية لا تحتمل الاستعراض ولا نشر الأسرار.
ولذلك أقولها بوضوح، ودون مواربة:
الاختلاف السياسي حق، والنقد حق، والمساءلة حق؛ أما استهداف مؤسسات الدولة الأمنية بالشائعات والافتراءات والتشويه، فليس نقدًا ولا معارضة، وإنما عبث بأمن الوطن وثقة المواطن بدولته.
المخابرات العامة ليست خصمًا للشعب
أستغرب ممن يحاولون تصوير دائرة المخابرات العامة وكأنها جسم غريب عن المجتمع الأردني.
أيها السادة…
رجال ونساء المخابرات العامة أبناء هذا الوطن.
هم من بيوت أردنية، ومن مختلف المحافظات والمناطق، ويعيشون بين أهلهم وناسهم، ولهم آباء وأمهات وأبناء وإخوة وأقارب.
ليسوا من «واق الواق» كما يحاول البعض أن يصورهم!
إنهم أردنيون يحملون مسؤولية وطنية حساسة، ويعملون ضمن منظومة الدولة الأردنية إلى جانب القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، ومديرية الأمن العام، وسائر مؤسسات الدولة.
ومن الظلم أن نضع هؤلاء جميعًا في خانة الاتهام لمجرد أن طبيعة عملهم تفرض عليهم السرية.
العمل الاستخباري ليس حكاية يرويها مخبر
هناك من يتعامل مع المعلومات الأمنية وكأنها حديث مجالس أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.
وهذا جهل بطبيعة العمل الاستخباري.
المعلومة الأمنية ليست كل ما يُقال.
وليست كل رواية تصلح أن تكون حقيقة.
وليست كل رسالة أو تسجيل أو منشور دليلًا.
العمل الاستخباري الحقيقي يقوم على جمع المعلومات، ومقارنتها، وتحليلها، وتقييم مصادرها، وربطها بالوقائع، ثم تقديرها قبل أن تصبح جزءًا من الصورة التي تُبنى عليها القرارات.
ولهذا فإن من يختصر عمل مؤسسة استخبارية بحكاية «مخبر» أو «معلومة من شخص» إنما يثبت أنه لا يعرف شيئًا عن طبيعة العمل الذي يتحدث عنه.
مؤسسة تعمل عندما ينام الآخرون
رجل المخابرات لا يقف أمام الكاميرات كل يوم ليقول للناس ماذا فعل.
ولا يستطيع أن يكشف للمواطنين كل ما يعرفه.
ولا يجوز له أصلًا أن يفعل ذلك.
لأن جزءًا كبيرًا من نجاح العمل الاستخباري يقوم على الصمت والسرية وعدم كشف المصادر والأساليب والعمليات.
قد ينام المواطن مطمئنًا، ولا يعرف أن خلف هذا الاطمئنان رجالًا يعملون في مواقع لا يعرفها، ويتابعون تهديدات لا يسمع عنها الناس، ويجمعون معلومات من مصادر متعددة، ويحللونها، ويرفعون تقديراتهم إلى الجهات المختصة.
وهذا هو معنى العمل في الظل.
أن تعمل دون أن تبحث عن التصفيق.
حدود الأردن لا تحميها بندقية واحدة
أمن الأردن ليس مسؤولية جهاز واحد.
هو منظومة متكاملة.
الجندي على الحدود، ورجل الأمن في الشارع، ورجل المخابرات الذي يعمل بعيدًا عن الأنظار، والقاضي الذي يطبق القانون، والموظف الذي يؤدي واجبه، والمواطن الذي يرفض الفوضى والشائعة؛ كل هؤلاء شركاء في حماية الدولة.
ولهذا فإن محاولة ضرب مؤسسة وطنية من مؤسسات الدولة ليست مسألة عابرة.
عندما تهتز الثقة بالمؤسسات الأمنية، فإن الضرر لا يقع على المؤسسة وحدها، وإنما يمتد إلى ثقة المواطن بالدولة نفسها.
وهنا يجب أن نكون أكثر وعيًا.
إلى الذين يصرخون باتهاماتهم دون دليل
أقولها بصراحة شديدة:
إذا كان لديك دليل، قدمه.
إذا كانت لديك وثيقة، فقدمها للجهة المختصة.
إذا كنت تتحدث عن مخالفة، فهناك قانون وقضاء ومؤسسات رقابية.
أما أن تأتي برواية مجهولة، أو منشور مجهول المصدر، أو تسجيل مبتور، ثم تطلب من الناس أن يصدقوا أن هذا هو «الحقيقة»…
فهذا ليس شجاعة.
هذه فوضى معلوماتية لا تخدم وطنًا.
والأردن ليس مختبرًا لتجارب أصحاب الحسابات الوهمية، ولا ساحة مفتوحة لكل من يريد أن يختبر قدرة الناس على تصديق الشائعة.
لا نقدس الأشخاص… لكننا نحمي الدولة
وأقولها أيضًا حتى لا يزايد علينا أحد:
نحن لا نقول إن موظفي الدولة ملائكة، ولا نقول إن أي مؤسسة بشرية فوق النقد أو فوق القانون.
الدولة القوية هي التي تسمح بالنقد المسؤول، وتحتكم إلى القانون، وتحاسب عند وجود الخطأ.
لكن هناك فارقًا هائلًا بين النقد المسؤول وبين التشويه.
بين السؤال وبين الاتهام.
بين المطالبة بالإصلاح وبين محاولة إسقاط الثقة بالمؤسسات.
بين كشف الخطأ بالدليل وبين صناعة رواية من الخيال.
ومن هنا فإن دفاعنا عن دائرة المخابرات العامة ليس دفاعًا عن أشخاص، وإنما دفاع عن مؤسسة وطنية وعن هيبة الدولة الأردنية وأمنها واستقرارها.
ومن يعبث بأمن الأردن… لن يكون بريئًا من النتائج
الأردن ليس دولة كبيرة بالمساحة، لكنه دولة كبيرة بتاريخها ومؤسساتها ووعي شعبها.
وقد مر هذا الوطن بأزمات وحروب واضطرابات إقليمية، وبقي واقفًا.
ولم يكن ذلك صدفة.
بل لأن لهذا البلد مؤسسات أمنية وعسكرية تعرف معنى الدولة، ولأن وراءها قيادة، وشعبًا، وجيشًا عربيًا، وأجهزة أمنية، ومجتمعًا يعرف أن الفوضى لا تبني وطنًا.
ولهذا فإن كل من يحاول أن يضرب ثقة الأردنيين بمؤسساتهم الوطنية، عليه أن يدرك أن المسألة ليست لعبة.
أنت لا تضرب جهازًا فقط… أنت تضرب جدارًا من جدران الدولة.
وإذا كان هدفك الإصلاح، فالباب مفتوح.
أما إذا كان هدفك التشويه والتحريض ونشر الأكاذيب وزرع الشك في نفوس الناس، فهنا نقول:
الأردن أكبر من حملتك، وأوعى من إشاعتك، وأقوى من أجندتك.
رسالة احترام لمن يعملون بصمت
إلى رجال ونساء دائرة المخابرات العامة:
قد لا يعرف المواطن أسماءكم.
وقد لا يعرف أين تعملون.
وقد لا يعرف ماذا تفعلون.
وهذا جزء من طبيعة عملكم.
لكن المواطن الأردني يعرف شيئًا واحدًا:
أن أمن الأردن ليس أمرًا عابرًا، وأن كل من يحمل مسؤولية حمايته يستحق الاحترام ما دام يعمل في إطار القانون والدولة.
فلكم التحية.
وللقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي كل التحية.
ولمديرية الأمن العام وسائر أجهزتنا الأمنية كل التحية.
ولكل أردني يقف خلف وطنه ويحميه بوعيه وضميره كل التحية.
الأردن ليس ساحة مباحة
وأقولها في النهاية، وبكل وضوح:
من حقك أن تختلف مع الحكومة.
ومن حقك أن تنتقد المسؤول.
ومن حقك أن تطالب بالإصلاح.
ومن حقك أن تسأل وتحاسب.
لكن ليس من حقك أن تكذب.
ليس من حقك أن تختلق.
ليس من حقك أن تشوه مؤسسة وطنية دون دليل.
وليس من حقك أن تحول أمن الأردن إلى مادة للتجارة السياسية أو الشهرة أو تصفية الحسابات.
الأمن الوطني ليس لعبة.
والمؤسسات الأمنية ليست هدفًا مباحًا لكل من يحمل هاتفًا وحسابًا على مواقع التواصل.
ومن لديه دليل فليضعه أمام القضاء والمؤسسات المختصة.
أما من لا يملك سوى الشائعات، فنقول له:
كفى عبثًا بالأردن.
هذا الوطن ليس ملكًا لحزب، ولا لجماعة، ولا لشخص، ولا لحساب إلكتروني.
هذا وطننا جميعًا.
وسيبقى الأردن، بإذن الله، قويًا بجيشه، وأجهزته الأمنية، ومؤسساته، وشعبه، وقيادته.
وسيبقى أمنه واستقراره فوق المزايدات.
ومن أراد للأردن خيرًا، فليحافظ على دولته.
ومن أراد إصلاحًا، فليطرق باب القانون.
أما من أراد هدم الثقة بالدولة، فليعلم أن الأردنيين أذكى من أن يُقادوا بالشائعة، وأوعى من أن يسمحوا لأحد بأن يحول وطنهم إلى ساحة للفوضى.
حفظ الله الأردن، وحفظ جيشه العربي، وأجهزته الأمنية، وشعبه، وقيادته الهاشمية، وأدام عليه نعمة الأمن والأمان والاستقرار
