بقلم المهندس نبيل إبراهيم حداد

من الخطأ أن نتعامل مع اقتراح أفيغدور ليبرمان بإسناد إدارة الفلسطينيين في منطقتي A وB من الضفة الغربية إلى الأردن باعتباره فكرة ظهرت فجأة في الأيام الأخيرة، أو مجرد اجتهاد انتخابي عابر لسياسي إسرائيلي.
فإذا وضعنا الأحداث الأخيرة في تسلسلها الزمني، نجد أمامنا ما يستحق التوقف والتحليل.
في 22 أيلول/سبتمبر 2026، وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحذر بوضوح من الاستيلاء على الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والتهجير القسري للفلسطينيين، ومن تحول ما كان يوصف سابقاً بالضم التدريجي إلى عملية أكثر عدوانية تهدد بإغلاق الطريق أمام قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وفي اليوم التالي، 23 أيلول، لم ترد وزارة الخارجية الإسرائيلية على جوهر هذه الاتهامات فقط، وإنما أعادت إلى الواجهة بصورة لافتة قرار الأردن عام 1988 بفك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية.
واتهمت الخارجية الإسرائيلية الأردن بأنه سحب الجنسية الأردنية من فلسطينيي الضفة، واعتبرت ذلك مخالفاً للقانون الدولي، وتحدثت بالتفصيل عن فقدان سكان الضفة آنذاك حق الانتخاب للبرلمان الأردني والعمل في مؤسسات الدولة الأردنية والحصول على جوازات أردنية كاملة.
وفي اليوم نفسه تقريباً خرج أفيغدور ليبرمان باقتراحه الذي يدعو إلى أن يتولى الأردن المسؤولية الأمنية والإدارية عن منطقتي A وB في الضفة الغربية، قبل أن يطور الفكرة لاحقاً إلى برنامج أكثر تفصيلاً يقوم على بقاء السيطرة الأمنية العليا بيد إسرائيل، وقيام الأردن بإدارة النظام العام والحياة اليومية للفلسطينيين في هاتين المنطقتين.
هذه المصادفة الزمنية لا تثبت وجود تنسيق بين وزارة الخارجية الإسرائيلية وليبرمان، ولا تسمح لنا بالقول إن أحد الموقفين أنتج الآخر.
لكنها تسمح لنا بطرح سؤال مشروع وخطير:
لماذا أعادت إسرائيل، بعد نحو أربعة عقود، فتح ملف العلاقة القانونية والسياسية بين الأردن وسكان الضفة الغربية، ولماذا تزامن ذلك مع طرح سياسي إسرائيلي يدعو إلى إعادة الأردن إلى إدارة هؤلاء السكان؟
ليست القضية في الجنسية وحدها
الرد الإسرائيلي على خطاب الملك يستحق قراءة أعمق من مجرد اعتباره سجالاً دبلوماسياً.
فعندما تعود وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى قرار صدر عام 1988، فإنها لا تتحدث فقط عن واقعة تاريخية. إنها تعيد إدخال العلاقة الأردنية السابقة بالضفة الغربية إلى النقاش السياسي الحالي.
وهذا مهم للغاية.
قرار فك الارتباط لم يكن قراراً اتخذه الأردن بهدف التخلي عن الفلسطينيين، كما حاول الرد الإسرائيلي أن يصوره.
الملك الحسين أوضح في خطاب 31 تموز/يوليو 1988 أن القرار جاء لتعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية ودعم التوجه الوطني الفلسطيني، بعد أربعة عشر عاماً من قرار قمة الرباط الذي اعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني.
كما نصت تعليمات فك الارتباط على اعتبار المقيمين في الضفة الغربية فلسطينيين بدلاً من أردنيين، مع استمرار إصدار جوازات سفر أردنية مؤقتة لهم لتسهيل حركتهم.
قد تكون للقرار جوانب قانونية تستحق البحث والنقاش، ولكن سياقه السياسي كان واضحاً: دعم قيام هوية وكيان سياسي فلسطيني مستقل، وليس التخلص من مسؤولية السكان وإلقائهم في فراغ قانوني.
لذلك فإن إعادة إسرائيل فتح هذا الملف اليوم ليست مسألة تاريخية مجردة.
السؤال هو: ما الذي تريد الوصول إليه من خلال إعادة تعريف علاقة الأردن بفلسطينيي الضفة؟
من «لماذا سحبتم الجنسية؟» إلى «عودوا لإدارتهم»
هنا يصبح اقتراح ليبرمان أكثر دلالة.
إذا قرأنا تصريح الخارجية الإسرائيلية واقتراح ليبرمان منفصلين، فقد نعتبر الأول سجالاً إعلامياً والثاني برنامجاً انتخابياً.
ولكن عند وضعهما بجانب بعضهما، يظهر اتجاه يستحق الدراسة.
الخطاب الإسرائيلي الأول يقول للأردن، عملياً:
هؤلاء الفلسطينيون كانوا مواطنين لديكم، وأنتم الذين فصلتم علاقتكم القانونية بهم عام 1988.
ثم يأتي الطرح السياسي الثاني ليقول:
ليتولَّ الأردن من جديد مسؤولية إدارة هؤلاء الفلسطينيين في A وB.
مرة أخرى، لا أقول إننا نملك دليلاً على وجود خطة منسقة بين الموقفين.
لكن في التحليل الاستراتيجي لا يجوز تجاهل تلاقي الأفكار، خصوصاً عندما تتعلق بمصالح وطنية أساسية.
وهنا تبرز إمكانية إعادة بناء رواية سياسية إسرائيلية جديدة تقول: إن الأردن كانت له علاقة قانونية وسياسية بالضفة وسكانها، وإنه هو الذي أنهى هذه العلاقة من جانب واحد، وبالتالي يمكن إعادة بحث دور أردني في الضفة باعتباره عودة إلى وضع سابق وليس إنشاء وضع جديد.
وهذه الرواية يجب على الأردن مواجهتها سياسياً وقانونياً قبل أن تترسخ في الخطاب الدولي.
جوهر خطة ليبرمان: فصل الأرض عن السكان
بعد أيام من اقتراحه الأول، قدم ليبرمان في 4 تشرين الأول/أكتوبر تصوراً أكثر تفصيلاً.
يقوم المشروع على إلغاء ترتيبات أوسلو بالشكل القائم، والاحتفاظ بالسيطرة الأمنية الإسرائيلية على الضفة الغربية، مع إيجاد تواصل إسرائيلي في المنطقة C، بينما يتولى الأردن مسؤولية النظام العام والحياة اليومية للفلسطينيين في منطقتي A وB.
هنا تظهر الصورة الحقيقية للمشروع.
إسرائيل تحتفظ بالأرض وبالأمن الاستراتيجي، والأردن يتحمل السكان وإدارة حياتهم اليومية.
وهذا يغير طبيعة القضية الفلسطينية ذاتها.
بدلاً من أن تبقى القضية قضية شعب تحت الاحتلال يطالب بدولة وسيادة وتقرير مصير، تتحول تدريجياً إلى قضية كيفية إدارة عدة ملايين من الفلسطينيين المقيمين داخل تجمعات سكانية منفصلة.
وبذلك تستطيع إسرائيل أن تحتفظ بالجزء الأكبر من الأرض والسيطرة الأمنية، بينما تنقل العبء الإداري والسياسي والاجتماعي المتعلق بالسكان إلى جهة أخرى.
وهذه الجهة، وفق ليبرمان، هي الأردن.
لماذا الأردن؟
هذا السؤال يجب ألا يمر دون إجابة.
لماذا لا تقترح إسرائيل تطوير السلطة الفلسطينية؟
لماذا لا يجري الحديث عن قيام دولة فلسطينية تدير شعبها وأرضها؟
لماذا يعاد استحضار الأردن تحديداً؟
هناك عوامل جغرافية وتاريخية وديموغرافية معروفة، ولكن إعادة فتح ملف 1988 تقدم عنصراً إضافياً.
فإذا استطاعت إسرائيل أن تزرع في النقاش الدولي فكرة أن الأردن كان الدولة التي يحمل سكان الضفة جنسيتها حتى عام 1988، وأن الأردن هو الذي أنهى هذه العلاقة، يصبح من الأسهل لاحقاً طرح السؤال:
لماذا لا يعود الأردن إلى ممارسة دور تجاه هؤلاء السكان؟
وهنا تكمن خطورة الرد الإسرائيلي على خطاب الملك.
فقد يبدو للوهلة الأولى مجرد محاولة لإحراج الأردن بعد انتقاد إسرائيل في الأمم المتحدة، لكن الموضوع قد تكون له آثار أوسع إذا تحول هذا الخطاب إلى جزء من محاولة إعادة تعريف المسؤولية عن الفلسطينيين.
قلب معادلة فك الارتباط
كان منطق فك الارتباط عام 1988 يقوم على أن الفلسطينيين لهم هويتهم السياسية والوطنية المستقلة، وأن منظمة التحرير هي ممثلهم، وأن مسارهم يجب أن يقود إلى قيام كيانهم الوطني.
أما الطرح الجديد فيسير في الاتجاه المعاكس.
فبدلاً من الانتقال:
من الإدارة الأردنية إلى الهوية والسيادة الفلسطينية،
قد يجري الدفع باتجاه العودة:
من المشروع الفلسطيني إلى الإدارة الأردنية.
وهذا يعني عملياً إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولكن بطريقة مختلفة تماماً عن الوضع الذي كان قائماً قبل عام 1967.
فالأردن لن يستعيد السيادة على الضفة الغربية.
والأردن لن يسيطر على الحدود.
والأردن لن يتحكم في المستوطنات.
والأردن لن يقرر حركة الجيش الإسرائيلي.
والأردن لن يمتلك السيطرة الفعلية على المنطقة C التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة.
وإنما قد يطلب منه أن يتولى إدارة الفلسطينيين داخل A وB.
أي أننا نكون أمام مسؤولية بلا سيادة.
وفي الإدارة هناك مبدأ لا يحتاج إلى شرح طويل: لا يجوز تحميل جهة مسؤولية نتائج لا تمتلك الصلاحيات اللازمة للتحكم فيها.
فكيف يصبح الأردن مسؤولاً عن حياة الفلسطينيين وأمنهم المحلي وخدماتهم، بينما تبقى القرارات الاستراتيجية المتعلقة بأرضهم وحدودهم وحركتهم وأمنهم بيد إسرائيل؟
الخطر ليس فقط في تهجير الفلسطينيين إلى الأردن
لسنوات طويلة انصب القلق الأردني على مفهوم «الوطن البديل» بمعناه المعروف: دفع الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى شرق النهر.
وهذا خطر لا يزال قائماً ويجب رفضه بصورة مطلقة.
لكن التطورات الأخيرة تقول إن علينا توسيع مفهومنا للخطر.
قد لا يكون السيناريو المقبل قائماً على نقل الفلسطينيين إلى الأردن.
قد يكون قائماً على نقل المسؤولية عن الفلسطينيين إلى الأردن.
يبقى الفلسطيني في نابلس والخليل ورام الله وجنين.
ولكن يصبح الأردن مسؤولاً عن الشرطة أو الإدارة أو الخدمات أو الحياة اليومية.
وتبقى إسرائيل مسؤولة عن الأمن الاستراتيجي والأرض والمعابر والمستوطنات.
هذا النموذج قد يكون أكثر قابلية للتسويق دولياً من مشروع التهجير الصريح.
فهو قد يقدم تحت عناوين جذابة: ترتيبات إقليمية، إدارة انتقالية، حل عملي، ترتيبات أمنية، كونفدرالية، أو معالجة انهيار السلطة الفلسطينية.
لكن النتيجة السياسية يمكن أن تكون شديدة الخطورة:
تصفية فكرة الدولة الفلسطينية من خلال إيجاد جهة أخرى تتولى إدارة الفلسطينيين.
والكونفدرالية ليست مدخلاً للدولة
بدأت كلمة «الكونفدرالية» تظهر أيضاً في بعض الطروحات المرتبطة بهذه الأفكار.
وهنا يجب أن يكون الموقف واضحاً.
يمكن البحث في علاقة كونفدرالية بين الأردن وفلسطين إذا قامت أولاً دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، ثم قرر الشعبان الأردني والفلسطيني بحرية إقامة هذا النوع من العلاقات.
فالكونفدرالية بطبيعتها علاقة بين كيانين سياسيين يمتلكان سيادتهما.
أما إقامة ما يسمى كونفدرالية بينما تحتفظ إسرائيل بالأرض والسيطرة الأمنية ويقوم الأردن بإدارة السكان، فليست كونفدرالية بين الأردن وفلسطين.
إنها صيغة مختلفة تماماً، قد تصبح وسيلة لإدارة الاحتلال بدلاً من إنهائه.
علينا ألا نفصل الأحداث عن بعضها
خطاب الملك في الأمم المتحدة كان واضحاً في تحديد المشكلة: الاستيطان، والاستيلاء على الأرض، والتهجير، والضم الفعلي، وإنهاء إمكانية قيام الدولة الفلسطينية.
جاء الرد الإسرائيلي في اليوم التالي ليعيد الحديث عن علاقة الأردن القانونية السابقة بسكان الضفة.
وفي الفترة الزمنية نفسها تقريباً جاء ليبرمان ليطرح إعادة الأردن إلى إدارة سكان الضفة.
ثم طور اقتراحه بعد أيام إلى برنامج سياسي أكثر وضوحاً.
قد تكون هذه أحداثاً مستقلة عن بعضها تنظيمياً.
ولكن من الخطأ الاستراتيجي أن ننظر إليها بمعزل عن بعضها فكرياً.
فجميعها تدور حول سؤال واحد:
من المسؤول عن الفلسطينيين في الضفة الغربية؟
والجواب الأردني يجب ألا يسمح بتغيير السؤال الأصلي.
فالسؤال الحقيقي ليس: من يدير الفلسطينيين؟
بل:
متى يحصل الفلسطينيون على حقهم في إدارة دولتهم المستقلة على أرضهم؟
لا تسمحوا بتغيير تعريف القضية
هذه ربما أهم نقطة في الموضوع كله.
حين تصبح المناقشة الدولية عن الجهة التي ستدير الفلسطينيين بعد ضعف السلطة الفلسطينية، تكون إسرائيل قد نجحت في تغيير طبيعة القضية.
القضية عندها لن تعود:
أرضاً محتلة وشعباً يطالب بحق تقرير المصير.
بل تصبح:
سكاناً يحتاجون إلى إدارة، ومن هي الدولة المناسبة لإدارة هؤلاء السكان؟
وهذا تحول يجب على الأردن والفلسطينيين الانتباه إليه مبكراً.
لأن من ينجح في تعريف المشكلة، يقطع نصف الطريق نحو فرض الحل الذي يريده.
الخلاصة
لا أستطيع القول إن رد الخارجية الإسرائيلية على خطاب جلالة الملك واقتراح ليبرمان جزءان من خطة واحدة منسقة؛ فلا توجد لدينا أدلة تسمح بهذا الاستنتاج.
لكنني أستطيع القول إن التتابع الزمني والترابط السياسي بينهما لا يجوز تجاهلهما.
في 22 أيلول حذر الملك أمام الأمم المتحدة من الضم والتهجير وإنهاء الدولة الفلسطينية.
في 23 أيلول أعادت الخارجية الإسرائيلية فتح ملف فك الارتباط والجنسية الأردنية لسكان الضفة.
وفي الفترة نفسها طرح ليبرمان إعادة الأردن إلى إدارة منطقتي A وB.
وبعد أيام تحول الطرح إلى برنامج أكثر تفصيلاً.
لهذا يجب ألا نتعامل مع خطة ليبرمان باعتبارها فكرة ولدت بالأمس.
الأهم من الرجل نفسه هو المنطق الذي بدأت إسرائيل تعيد طرحه: الأردن كانت له علاقة بالضفة، الأردن أنهى هذه العلاقة عام 1988، والفلسطينيون يحتاجون اليوم إلى جهة تديرهم.
وهنا يجب أن يكون الرد الأردني واضحاً منذ البداية:
قرار فك الارتباط لم يكن تخلياً عن الفلسطينيين، بل كان اعترافاً بهويتهم السياسية وحقهم في أن تكون لهم دولتهم ومؤسساتهم.
ولا يجوز أن يتحول هذا القرار، بعد أربعة عقود، إلى مدخل لإعادة تحميل الأردن مسؤولية إدارة شعب يعيش على أرض تخضع لسيطرة إسرائيل.
الأردن ليس بديلاً عن الدولة الفلسطينية.
والحل لا يكون بإعادة الفلسطينيين سياسياً إلى الأردن، سواء عبر نقلهم إلى شرق النهر أو نقل مسؤوليتهم إلى عمان وهم باقون غربه.
فالفلسطينيون لا يحتاجون إلى دولة أخرى تديرهم.
إنهم يحتاجون إلى دولتهم التي يديرونها بأنفسهم.