بقلم: خالد رغدان أخصائي نفسي

 

ليس كل من يضحك بخير وليس كل من يواصل حياته قادرا على الاحتمال وليس كلمن يصمت قد تجاوز ألمه، هناك من يستيقظ كل صباح ليؤدي واجباته ويذهب إلى عملهويعتني بأسرته ويجيب عن أسئلة الآخرين بكلمة «أنا بخير»، ثم يعود في نهاية اليوممنهكا من معركة داخلية لم يجرؤ على روايتها لأحد وهناك من لا ينقصه الإيمان ولاالإرادة ولا الرغبة في الحياة؛ لكنه استنزف سنوات في محاولة التماسك، حتى أصبحعاجزا عن تفسير ما يحدث داخله.

 

في العاشر من أكتوبر، اليوم العالمي للصحة النفسية، لسنا بحاجة إلى مزيد منالعبارات الجميلة عن السعادة بقدر حاجتنا إلى مواجهة الحقيقة: هناك آلام نفسيةكثيرة لا يراها المجتمع ومعاناة صامتة قد تتفاقم لأن أصحابها يخشون أن يتحدثواعنها، المشكلة ليست دائما في الألم… بل في الطريقة التي نتعامل بها معه، فيمجتمعاتنا العربية، ما زال بعض الناس ينظرون إلى المعاناة النفسية باعتبارها ضعفًافي الشخصية، أو نقصًا في الإيمان، أو مبالغة في الحساسية، أو رفاهية لا تليق بمنيواجهون ظروف الحياة الصعبة.

 

وقد يسمع الإنسان الذي يعاني من القلق: «لا تفكر كثيرًا» ويسمع المصاب بالاكتئاب: «انظر إلى من هم أسوأ منك» ويُقال لمن أنهكه الضغط النفسي: «أنت تبالغ، كلالناس لديها مشكلات»، أما الذي يحاول طلب المساعدة، فقد يخشى أن يُوصمبالجنون، أو أن تتغير نظرة أسرته إليه، أو أن تصبح معاناته مادة للحديث بين الناس.

 

وهكذا، بدلا من أن يجد الإنسان يدا تمتد إليه، يجد نفسه مضطرا إلى إخفاء ألمهوالدفاع عن مشاعره وإثبات أنه يستحق أن يُفهَم، إن من أخطر ما يمكن أن يفعلهالمجتمع بالإنسان المتألم أن يجعله يشعر بالخجل من ألمه، ثم يلومه لأنه لم يتعافَ منه.

 

الصحة النفسية ليست رفاهية… إنها أساس الحياة المتوازنة، الصحة النفسية ليستمجرد غياب الاضطرابات النفسية وليست أن تكون سعيدا طوال الوقت، أو أن تعيشدون حزن أو خوف أو قلق، إنها قدرتنا على التعامل مع ضغوط الحياة وتنظيم مشاعرناوبناء علاقات صحية واتخاذ القرارات والعمل والتعلّم واستعادة توازننا بعد الأزماتوطلب المساعدة عندما تتجاوز المعاناة قدرتنا على الاحتمال.

 

والحزن ليس اكتئابا بالضرورة والقلق العابر ليس اضطرابا نفسيا بالضرورة، لكناستمرار المعاناة وتأثيرها في النوم أو العمل أو العلاقات أو القدرة على ممارسة الحياةيستحق الانتباه والتقييم المتخصص، فكما لا ننتظر من الإنسان أن يتجاهل ألمًاجسديا شديدًا حتى يزول وحده، لا ينبغي أن نطالبه بتحمل معاناته النفسية إلى ما لانهاية.

 

إن العقل الذي يفكر والقلب الذي يشعر والجسد الذي يتحمل، ليست أجزاء منفصلةعن بعضها في تجربة الإنسان؛ فالضغوط النفسية قد تؤثر في النوم والتركيز والطاقةوالصحة الجسدية، كما أن الأمراض الجسدية والظروف المعيشية الصعبة قد تؤثر فيحالتنا النفسية ولهذا، فإن الاهتمام بالصحة النفسية ليس ترفًا، بل ضرورة إنسانيةوصحية واجتماعية.

 

ماذا نحتاج أن نفعل، لا أن نقول فقط؟

 

أولا: أن نتعلم الاستماع دون إصدار الأحكام.

حين يخبرك شخص بأنه متعب نفسيًا، لا تسارع إلى مقارنته بالآخرين ولا تحوّل حديثهإلى محاضرة عن الصبر والقوة، استمع إليه واعترف بمشاعره واسأله: «ما الذييمكنني فعله لمساعدتك؟» قد لا تملك حلا لمشكلته، لكنك تستطيع ألّا تجعلها أثقل عليه.

 

ثانيًا: أن نتوقف عن تمجيد الاستنزاف النفسي.

ليس كل صبر فضيلة إذا كان ثمنه تدمير الإنسان من الداخل وليس كل تحمّل دليل قوةوليس من الضروري أن تواصل العطاء وأنت منهك، أو أن تبقى في علاقة تستنزفكحتى تفقد قدرتك على الحياة، إن وضع الحدود الصحية، والراحة، والتعبير عنالمشاعر، وطلب الدعم، ليست علامات ضعف؛ بل مهارات أساسية للحفاظ على التوازنالنفسي.

 

ثالثًا: أن نعيد النظر في علاقتنا بأطفالنا.

الطفل الذي يخاف يحتاج إلى الأمان، لا إلى السخرية من خوفه والمراهق الذيينسحب أو يتغير سلوكه يحتاج إلى من يحاول فهمه، لا إلى من يختزل معاناته فيسوء التربية أو قلة الأدب، إن بناء الصحة النفسية يبدأ مبكرًا، حين يشعر الطفل بأنمشاعره مسموعة وأن الخطأ لا يسلبه قيمته وأن طلب المساعدة لا يعرّضه للإهانة.

 

رابعًا: أن نجعل طلب المساعدة النفسية أمرا طبيعيا.

عندما تستمر الأعراض، أو تتكرر، أو تعطل حياة الإنسان وعلاقاته، فإن الاستعانةبأخصائي نفسي مؤهل أو طبيب مختص بحسب الحاجة خطوة مسؤولة وليست وصمةعار والعلاج النفسي ليس مجرد حديث عابر؛ بل قد يكون عملية مهنية منظمة تساعدالإنسان على فهم أنماطه الفكرية والانفعالية والسلوكية، وتطوير مهارات المواجهة، ومعالجة الصعوبات التي تعوق حياته.

 

كما أن بعض الاضطرابات قد تستفيد من العلاج الدوائي تحت إشراف طبي، وفقًاللتقييم والتشخيص والحاجة الفردية ولا يتعارض طلب العلاج مع الإيمان ولا يلغي دورالأسرة والدعم الاجتماعي والممارسات الروحية التي يجد فيها الإنسان الطمأنينة؛ بليمكن لهذه الجوانب أن تتكامل في مساندة الإنسان.

 

خامسًا: أن ندرك أن الظروف الصعبة تحتاج إلى دعم، لا إلى مواعظ فقط.

لا يمكننا أن نطالب الإنسان بالهدوء بينما يعيش في خوف دائم، أو أن نطالبه بالتفاؤلدون أن نعترف بوطأة الفقر أو الفقد أو النزوح أو الحروب أو ضغوط العمل والأسرة، فالصحة النفسية تتأثر بالظروف المحيطة، وحمايتها مسؤولية مشتركة بين الفردوالأسرة والمؤسسات التعليمية وأماكن العمل والأنظمة الصحية وصنّاع القرار.

 

نحن بحاجة إلى خدمات نفسية ميسرة ومؤسسات أكثر تفهما ومدارس تراعياحتياجات الأطفال، وبيئات عمل تحترم الإنسان وخطاب إعلامي يشرح الاضطراباتالنفسية بعيدا عن التهويل والتنميط، رسالة إلى كل إنسان يخوض معركته بصمت إذاكنت تمر بمرحلة صعبة، فلا تجعل عجزك عن شرح ما تشعر به دليلا على أنك لاتعاني.

 

ولست مضطرا إلى انتظار الانهيار حتى تمنح نفسك حق الراحة ولا إلى إثبات أنمعاناتك أكبر من معاناة الآخرين حتى تستحق المساعدة، قد لا تستطيع تغيير كل مايحدث حولك، لكن يمكنك أن تبدأ بخطوة صغيرة: أن تتحدث إلى شخص تثق به، أو أنتطلب مساعدة متخصصة، أو أن تتوقف قليلا عن مطالبة نفسك بأن تكون قويا طوالالوقت.

 

وإذا لاحظت أن شخصًا قريبا منك يعاني، فلا تفترض أن صمته يعني أنه بخير، اقترب منه بلطف واستمع إليه دون لوم وشجّعه على طلب المساعدة عند الحاجة وإذاعبّر عن رغبته في إيذاء نفسه أو عدم الاستمرار في الحياة، فخذ كلامه على محملالجد وساعده في الوصول إلى دعم مهني عاجل.

 

في اليوم العالمي للصحة النفسية.. دعونا نتجاوز الاحتفال بالشعارات إلى بناء ثقافةتحترم الإنسان في ضعفه كما تحترمه في قوته وتمنحه الحق في أن يتعب دون أنيُهان وأن يتحدث دون أن يُدان وأن يطلب المساعدة دون أن يخشى فقدان كرامته، فالمجتمع السليم نفسيا ليس مجتمعا لا يحزن أفراده، بل مجتمع لا يتركهم وحدهم حينيحزنون.

 

ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه لبعضنا بعضا ليس أن نمنح الجميع نصائح عن كيفيةالتحمل، بل أن نبني عالما لا يضطر فيه الإنسان إلى إخفاء ألمه كي يحظى بالقبول، الصحة النفسية ليست شأنا يخص المريض وحده؛ إنها مسؤولية مجتمع بأكمله.

 

وفي العاشر من أكتوبر، لنتذكر أن وراء كل سلوك قصة قد لا نعرفها ووراء كل صمتمشاعر قد لا نستطيع رؤيتها ووراء كل إنسان نلتقيه حياة داخلية تستحق الفهموالاحترام، فلنكن أكثر رحمة وأكثر وعيا وأقل أحكاما، لأن كلمة رحيمة قد تفتح باباللأمل واستماعا صادقا قد يخفف وطأة الألم ومساعدة في الوقت المناسب قد تغيّرمسار حياة إنسان.

 

اليوم العالمي للصحة النفسية | 10 أكتوبر

بقلم: خالد رغدان - أخصائي نفسي ومختص في علاج الإدمان

 

#اليوم_العالمي_للصحة_النفسية #الصحة_النفسية#الصحة_النفسية_مسؤولية_الجميع #لا_وصمة_مع_العلاج