بقلم: الأستاذ رائد عساف
.
تضعك رواية «العاشق الذي ابتلعته الرواية» منذ عتبتها الأولى أمام سؤال يبدو مستحيلاً: كيف يمكن لرواية أن تبتلع عاشقاً؟ وهل يستطيع السرد أن يتحول إلى قدرٍ يلتهم صاحبه حتى يغدو جزءاً من نسيجه؟ إن هذا العنوان لا يؤدي وظيفة الإغراء القرائي فحسب، بل يفتح باب التأويل على مصراعيه، ويقود القارئ إلى فضاء روائي يرفض أن يبقى أسير الحكاية المباشرة، ليصبح رحلة في الذاكرة والهوية والأسطورة، حيث تمتزج الأزمنة، وتتقاطع الحكايات، ويتحول الإنسان إلى نص، والنص إلى وطن.
منذ الصفحات الأولى يدرك القارئ أنه أمام رواية لا تُقرأ على عجل، ولا تمنح أسرارها من القراءة الأولى. إنها عمل يتطلب قارئاً صبوراً يعيد النظر في تفاصيله، ويعود إلى مشاهده، ويستعيد عباراته، لأن النص لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يبني شبكة من الرموز والإحالات الثقافية والتاريخية التي تجعل كل فصل يضيء الفصل الذي يليه، وكل شخصية تعكس وجهاً آخر لشخصية مختلفة. ومن هنا تأتي متعة القراءة؛ فهي ليست متعة متابعة الأحداث فحسب، بل متعة اكتشاف الطبقات العميقة التي يخفيها السرد بين سطوره.
ويُحسب لأسيد الحوتري امتلاكه لغة روائية ذات نفس شعري واضح، لغة تعرف كيف تصنع الصورة قبل أن تصنع الحدث. فعبارات مثل: «حلمت بمستقبل وردي تحت وارف أوراقها ورشيق أفنانها» أو «فقد أخذت كتلة من الضباب تطغى عليه» لا تؤدي وظيفة الوصف وحدها، وإنما ترسم مناخاً نفسياً يهيئ القارئ للدخول إلى عالم تتجاور فيه الواقعية مع الحلم، ويصبح الضباب استعارةً للذاكرة المفقودة، وللحقيقة التي تتوارى كلما اقترب الإنسان منها.
ويستوقف القارئ منذ البداية ذلك الإهداء المختلف، الذي يخرج من دائرة الإهداءات التقليدية إلى فضاء أكثر رحابة وألماً. فالإهداء إلى غزة ليس التفاتة عاطفية، بل إعلان مبكر عن هوية النص وانحيازه الأخلاقي والإنساني. غزة هنا ليست مكاناً جغرافياً فحسب، وإنما جرح مفتوح، ورمز لذاكرة جمعية ما زالت تنزف، حتى غدت عنواناً لوجع الإنسان الفلسطيني، وللقضية التي استعصت على النسيان. ويكتسب هذا الإهداء بعداً أكثر تأثيراً لأنه يأتي في زمن تضاعفت فيه المأساة، فأصبح النص منذ عتبته الأولى شاهداً على اللحظة التاريخية التي كُتب فيها.
كما تبدو مقولة المهاتما غاندي: «كثيرون حول السلطة، قليلون حول الوطن» أكثر من مجرد اقتباس يزين الصفحات الأولى؛ إنها مفتاح تأويلي للرواية كلها. ففي عالم الحوتري لا يتحدد الانتماء بالشعارات، وإنما بالموقف، ولا تُقاس الوطنية بعلو الصوت، بل بالقدرة على حماية الذاكرة والدفاع عن الإنسان والأرض معاً. ولهذا تبدو هذه العبارة وكأنها تلخص الصراع الداخلي والخارجي الذي تعيشه الشخصيات طوال العمل.
وتدور الأحداث في زمن انتفاضة الحجارة، وهي من أكثر المراحل رسوخاً في الذاكرة الفلسطينية، غير أن الكاتب لا يتعامل معها بوصفها خلفية تاريخية، بل يجعلها روحاً تسري في الرواية بأكملها. فالسجن ليس مجرد مكان، وإنما فضاء رمزي تُختبر فيه الإرادة الإنسانية، وتُعاد فيه كتابة الوعي. وهناك، داخل الجدران الإسمنتية، يلتقي الشاب غريب، الذي فقد ذاكرته إثر إصابته، بالسجين المثقف الذي يُعرف بلقب الأديب. ومن هذه اللحظة يبدأ التحول الحقيقي في الرواية؛ إذ يصبح السرد نفسه وسيلة للعلاج، وتغدو الروايات التي يحفظها الأديب عن ظهر قلب جسوراً تعيد لغريب ذاكرته المفقودة.
ولا يكتفي الحوتري بسرد الروايات، بل يعيشها، ويتقمص شخصياتها، حتى يبدو وكأنه ممثل على خشبة مسرح لا يملك سوى الكلمات. وهذه من أجمل الأفكار التي يبني عليها الحوتري عالمه؛ فالرواية هنا لا تُقرأ، بل تُؤدى، والسرد لا يُحكى، بل يُعاش. ومن خلال هذا الأداء تتحول الأعمال الكبرى، مثل «سداسية الأيام الستة» و*«الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»* لإميل حبيبي، و*«البحث عن وليد مسعود»* لجبرا إبراهيم جبرا، إلى جزء من البناء الروائي، لا بوصفها إحالات ثقافية فحسب، وإنما بوصفها امتداداً لذاكرة فلسطين الأدبية والسياسية.
وتبلغ الرواية ذروة تميزها عندما تفتح أبواب التراث الفلسطيني والأسطورة الكنعانية معاً. فحكاية ظريف الطول لا تُستعاد بوصفها حكاية شعبية محفوظة، وإنما يعاد تشكيلها لتصبح رمزاً متجدداً للمقاوم الفلسطيني الذي لا تنكسر إرادته. ويقف ظريف الطول، بعشقه وعناده ونضاله، إلى جانب الإله الكنعاني بعل، الذي يهبط إلى العالم السفلي ثم يعود إلى الحياة على يد عنات، في توازٍ رمزي بالغ الذكاء. وهكذا ينجح الحوتري في إقامة حوار بين الأسطورة والتاريخ، وبين الموروث الشعبي والواقع السياسي، ليؤكد أن فلسطين لا تُختزل في لحظة معاصرة، بل تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ، وأن الإنسان الفلسطيني يحمل في ذاكرته طبقات متراكمة من الحكايات، كل واحدة منها تعيد إنتاج الأخرى بصورة جديدة.
ومن خلال هذا التشابك بين الأسطورة والواقع، لا يعود السجن سجناً فحسب، ولا يصبح فقدان الذاكرة مرضاً فردياً، بل يتحولان إلى استعارة كبرى لوطن يحاول الاحتلال أن ينتزع ذاكرته، فيما يتولى السرد مهمة استعادتها. وهنا تكمن براعة الحوتري؛ إذ يجعل الحكاية فعلاً من أفعال المقاومة، ويجعل الرواية نفسها وطناً موازياً، لا تستطيع قوة أن تصادره أو تمحو أثره.
إن توظيف الحوتري للأسطورة الكنعانية لا يأتي بوصفه استدعاءً معرفياً أو ترفاً ثقافياً، بل يمثل جزءاً أصيلاً من البنية الفكرية للرواية. فأسطورة بعل وعنات لا تُروى باعتبارها حكاية من الماضي، وإنما تُبعث من جديد لتتحاور مع الحاضر الفلسطيني، فيغدو انتصار بعل على الموت رمزاً لقدرة الشعب الفلسطيني على النهوض مهما اشتدت محاولات الطمس والإلغاء. ويغدو إنقاذ عنات لبعل، كما إنقاذها لظريف الطول في الحكاية الشعبية، تأكيداً على أن الحب، في المخيال الفلسطيني، ليس عاطفة فردية فحسب، بل طاقة قادرة على الانتصار للحياة في مواجهة الموت.
ولا يقل توظيف التراث الشعبي أهمية عن حضور الأسطورة، إذ ينجح الكاتب في إعادة الاعتبار للحكاية الشعبية الفلسطينية بوصفها مستودعاً للهوية الوطنية. فشخصية ظريف الطول لا تحضر بوصفها بطلاً تراثياً، وإنما بوصفها النموذج المتجدد للإنسان الفلسطيني الذي يرفض الخضوع، ويؤمن بأن الدفاع عن الأرض جزء من الدفاع عن الكرامة. ومن هنا فإن استحضار الأغنية الشعبية الشهيرة:
يا ظريف الطول وقف تاقلك
رايح عالغربة وبلادك أحسنلك
لم يكن مجرد استعادة لنص غنائي مألوف، وإنما كان استدعاءً لذاكرة جمعية تختزن الحنين والمنفى والمقاومة في آنٍ واحد. فالأغنية تتحول داخل الرواية إلى صوتٍ موازٍ للسرد، يوقظ ذاكرة القارئ، ويعيده إلى زمن كانت فيه الأغنية الشعبية سجلاً وطنياً يروي ما تعجز عنه الوثائق.
ومن أجمل ما يلفت الانتباه في الرواية ذلك التوازن الدقيق بين الواقعي والمتخيل. فلا يطغى التاريخ على الفن، ولا تتحول الأسطورة إلى عبء على السرد، بل تتشابك العناصر جميعها في نسيج واحد يبدو متماسكاً وطبيعياً. وهذا ما يدل على وعي روائي ناضج يدرك أن الرواية ليست وعاءً للأحداث فقط، وإنما فضاء رحب تتجاور فيه الفلسفة والتاريخ والأسطورة والذاكرة دون أن يفقد النص انسجامه.
أما اللغة، فهي من أبرز عناصر القوة في هذا العمل. لقد اختار الحوتري لغة عربية رصينة، تجمع بين الشاعرية والوضوح، وتبتعد عن الزخرفة المجانية، لتصبح الصورة جزءاً من الفكرة لا زينةً لها. وتنبض الجمل بإيقاع هادئ يجعل القارئ يعيش المشهد أكثر مما يقرأه، وكأن الكلمات تتحول إلى عدسة سينمائية تقترب من الشخصيات حيناً، وتتراجع عنها حيناً آخر، محافظةً على إيقاع متوازن لا يرهق المتلقي ولا يفقده شغفه.
كما يحسب للكاتب نجاحه في بناء شخصية الأديب، التي تبدو من أكثر شخصيات الرواية ثراءً وعمقاً. فهو ليس مجرد سجين مثقف، بل تجسيد للثقافة بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة. إنه يحارب النسيان بالحكاية، ويواجه القيد بالكتاب، ويؤمن بأن الرواية تستطيع أن تحمي الإنسان من الانكسار حين تعجز الجدران عن احتواء روحه. وفي المقابل، تمثل شخصية غريب الإنسان الفلسطيني الذي يحاول الاحتلال أن يسلبه ذاكرته، غير أن السرد يعيد إليه ذاته، فيتحول استرجاع الذاكرة إلى استعادة للهوية والانتماء.
ولعل أكثر ما يميز الرواية أنها تجعل الرواية نفسها بطلةً للأحداث. فالعنوان، الذي بدا في البداية غريباً ومثيراً للدهشة، يكشف مع التقدم في القراءة عن دلالته العميقة؛ فالعاشق لم تبتلعه الرواية بمعناها الحرفي، وإنما ابتلعته الحكاية الكبرى؛ حكاية الوطن، والذاكرة، والمقاومة. لقد ذاب الفرد في السرد الجمعي، وأصبح جزءاً من الرواية الفلسطينية الممتدة عبر الزمن، حتى غدت حياته صفحة من صفحاتها، وصار وجوده لا يكتمل إلا باستمرار الحكاية.
وتأتي النهاية منسجمة مع هذا البناء الفني، إذ لا تقدم خاتمة مغلقة أو إجابات نهائية، بل تترك القارئ أمام فضاء واسع من التأويل. فعودة غريب إلى ذاته ليست استعادةً للذاكرة الشخصية فقط، بل هي إعلان عن انتصار الذاكرة الوطنية على محاولات المحو، وانتصار الحكاية على النسيان. ولهذا تبدو النهاية وكأنها تقول إن الرواية الحقيقية لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، وإنما تبدأ من اللحظة التي يغلق فيها القارئ الكتاب، حاملاً معه أسئلته وتأملاته.
إن «العاشق الذي ابتلعته الرواية» ليست رواية عن السجن أو الانتفاضة أو الحب وحدها، بل هي رواية عن الذاكرة باعتبارها آخر حصون الإنسان، وعن الكلمة بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة، وعن الحكاية التي تظل قادرة على منح الحياة معناها مهما اشتد الظلام. لقد استطاع أسيد الحوتري أن ينسج عملاً يجمع بين ثراء التراث الفلسطيني وعمق الأسطورة الكنعانية ووجع الواقع المعاصر، دون أن يفقد النص روحه الفنية أو يتحول إلى خطاب مباشر.
وإذا كانت الروايات تُقاس بقدرتها على البقاء في ذاكرة قارئها، فإن هذا العمل يمتلك من المقومات الفنية والفكرية ما يجعله جديراً بالتأمل وإعادة القراءة. فهو لا يكتفي بأن يروي حكاية، بل يجعل القارئ شريكاً في إعادة اكتشافها، ويؤكد أن الوطن لا يعيش في الخرائط وحدها، وإنما في القصص التي تُحكى، وفي الأغاني التي تتوارثها الأجيال، وفي الذاكرة التي تأبى أن تُهزم.
وهكذا، ينجح أسيد الحوتري في تقديم رواية تتجاوز حدود السرد التقليدي لتصبح احتفاءً بالإنسان الفلسطيني، وبقدرته الدائمة على النهوض من ركام الألم. إنها رواية تؤمن بأن الحكايات لا تُكتب لتوثق الماضي فحسب، بل لتصنع المستقبل، وأن العاشق الذي ابتلعته الرواية لم يكن ضحيةً لها، بل أصبح جزءاً من خلودها؛ لأن الروايات العظيمة لا تبتلع أبطالها، بل تمنحهم حياةً أخرى، أكثر اتساعاً ودواماً، في ذاكرة الأدب ووجدان القراء.
