بقلم المهندس تبيل إبراهيم حداد

أخذتني السياسة خلال الفترة الماضية بعيداً عن الموضوع الذي أحبه، والذي قضيت سنوات طويلة من حياتي المهنية في ممارسته والاهتمام به، وهو الإدارة، وبخاصة إدارة المشاريع والتخطيط الاستراتيجي والتطوير المؤسسي. ومع أن السياسة وإدارة الدولة لا تنفصلان عن مفاهيم الإدارة الرشيدة، فإنني أجد من المفيد العودة إلى هذا المجال، لمناقشة قضية أراها من أهم التحديات التي تواجه المؤسسات، وهي كيفية تحويل الاستراتيجيات من خطط وتصورات إلى نتائج ملموسة.

لقد اعتادت مؤسسات كثيرة إعداد خطط استراتيجية تمتد لثلاث أو خمس سنوات، تتضمن الرؤية والرسالة والأهداف ومؤشرات الأداء، وقد تستعين بمكاتب استشارية متخصصة لإعدادها. لكن السؤال الذي يستحق الاهتمام ليس عن جودة الوثيقة أو حجم الجهد المبذول في إعدادها، بل عن مدى نجاح المؤسسة في تحقيق الأهداف التي وضعتها.

وهنا أرى ضرورة الربط بين أربع تخصصات إدارية رئيسية: الإدارة الاستراتيجية، وإدارة المشاريع، وإعادة هندسة العمليات الإدارية، والسلوك التنظيمي. فلكل منها دور مختلف، لكنها لا تحقق القيمة المرجوة إذا عملت بمعزل عن بعضها.

الاستراتيجية تبدأ باختيار الأعمال الصحيحة

من أهم الفروق بين الإدارة التشغيلية والإدارة الاستراتيجية أن الأولى تهتم بكيفية تنفيذ الأعمال بكفاءة، بينما تهتم الثانية بتحديد الأعمال التي ينبغي تنفيذها أصلاً.

فقد ينجح مدير شركة مقاولات في زيادة حجم العقود، وتحسين إنتاجية العاملين، والالتزام بالبرامج الزمنية، ومع ذلك تتراجع أرباح الشركة.

قد يكون رد الفعل المباشر تخفيض المصاريف أو زيادة الرقابة على التكاليف. لكن التفكير الاستراتيجي يتطلب أولاً معرفة الأسباب الحقيقية للمشكلة: هل تقبل الشركة عقوداً بهوامش ربح غير كافية؟ هل تتوسع بما يفوق قدراتها المالية؟ هل تدخل مشاريع لا تتناسب مع خبراتها؟ أم أن إجراءاتها الداخلية أصبحت عائقاً أمام تحقيق الربحية؟

من هنا تبدأ الاستراتيجية بتشخيص الواقع، وتحليل البدائل، وتحديد الأولويات، واتخاذ القرارات التي تحقق أفضل استخدام للموارد.

ولا تعني الاستراتيجية اختيار ما يجب عمله فقط، بل تحديد ما ينبغي الامتناع عنه أيضاً. فقد تكون بعض الفرص التجارية جذابة من حيث الإيرادات، لكنها لا تخدم مصالح المؤسسة على المدى الطويل.

إدارة المشاريع أداة لتنفيذ الاستراتيجية

إذا كانت الاستراتيجية تحدد الاتجاه، فإن إدارة المشاريع توفر المنهجية العملية لتحويل القرارات إلى أعمال منظمة.

فكل هدف استراتيجي يحتاج إلى مبادرات محددة، ولكل مبادرة نطاق عمل، ومسؤوليات، وموارد، وبرنامج زمني، وموازنة، ومخاطر يجب إدارتها.

ولنفترض أن مؤسسة حددت هدفاً يتمثل في زيادة إنتاجيتها بنسبة 25% خلال ثلاث سنوات. هذا الهدف لا يمكن تحقيقه بمجرد إعلانه، بل يجب ترجمته إلى مشاريع، قد تشمل تطوير الأنظمة الرقمية، وتحسين إجراءات العمل، وتحديث المعدات، وتأهيل العاملين.

ويجب تقييم هذه المشاريع وترتيب أولوياتها وفق مساهمتها المتوقعة في تحقيق الهدف، وليس فقط وفق سهولة تنفيذها أو رغبة الإدارات المختلفة في تبنيها.

لكن الاستراتيجية ليست مشروعاً واحداً له تاريخ انتهاء محدد، بل توجه مستمر تتغير متطلباته مع تغير الظروف. ولهذا فإن تنفيذها يحتاج إلى إدارة محفظة مترابطة من المشاريع والبرامج، تحت إشراف الإدارة العليا.

وهنا تصبح إدارة المشاريع جزءاً أساسياً من الإدارة الاستراتيجية، وليست مجرد وظيفة فنية لمتابعة الجداول الزمنية والموازنات.

إعادة هندسة العمليات والسلوك التنظيمي

قد تتبنى المؤسسة استراتيجية مناسبة وتخصص الموارد اللازمة لتنفيذها، لكنها تواجه صعوبات بسبب إجراءاتها الداخلية أو ثقافتها التنظيمية.

وهنا يأتي دور إعادة هندسة العمليات الإدارية، التي تتجاوز تحسين الإجراءات القائمة إلى إعادة النظر في طريقة تنظيم العمل نفسها.

فإذا كانت عملية شراء المواد تتطلب موافقات متتابعة من عدة إدارات، وتستغرق عشرين يوماً، فإن الحل لا يقتصر بالضرورة على مطالبة الموظفين بتسريع إنجاز معاملاتهم. بل قد يكون الأنسب إلغاء بعض الموافقات المكررة، أو تفويض الصلاحيات، أو اعتماد نظام رقمي موحد.

غير أن تغيير الإجراءات وحده لا يضمن النجاح.

فالعاملون قد يقاومون التغيير خوفاً من فقدان وظائفهم أو صلاحياتهم، أو بسبب عدم فهمهم لأهدافه. وقد يمتلكون في المقابل ملاحظات عملية مهمة تكشف جوانب ضعف في النظام المقترح.

ولهذا يمثل السلوك التنظيمي عنصراً أساسياً في تنفيذ الاستراتيجية، من خلال فهم دوافع العاملين، وتحسين الاتصال، وتطوير القيادة، وإشراك الموظفين في التغيير.

ويجب النظر إلى إعادة هندسة العمليات والسلوك التنظيمي باعتبارهما جانبين متكاملين؛ فالأول يعالج كيفية أداء العمل، والثاني يعالج قدرة الأشخاص واستعدادهم للعمل وفق الأساليب الجديدة.

مثال تطبيقي من شركة مقاولات

لنفترض أن شركة مقاولات تعاني من تراجع أرباحها، رغم ارتفاع قيمة العقود التي تنفذها.

وبعد دراسة أوضاعها، تكتشف الإدارة أن بعض الخسائر تنشأ عن تأخر المشتريات، وضعف التنسيق بين التصميم والتنفيذ، وتكرار الأعمال بسبب تعديلات هندسية متأخرة.

فتقرر الشركة اعتماد استراتيجية تهدف إلى زيادة الربح التشغيلي بنسبة 20% خلال ثلاث سنوات.

ولتحقيق ذلك، تطلق ثلاثة مشاريع مترابطة.

يختص الأول بإعادة هندسة إجراءات المشتريات، بهدف تقليص متوسط مدة الشراء من عشرين إلى عشرة أيام.

ويركز الثاني على تحسين التنسيق الهندسي، بهدف تخفيض ساعات إعادة العمل بنسبة 20%.

أما الثالث فيتضمن إدخال نظام رقمي يربط الأقسام الهندسية والمشتريات والتنفيذ والإدارة المالية.

وبالتوازي مع ذلك، تنفذ الشركة برنامجاً لتدريب الموظفين وتطوير التعاون بين الإدارات.

هذه المبادرات تمثل مشاريع تنفيذية، لكن نجاحها لا ينبغي أن يُقاس بمجرد إنجازها.

فتقليص مدة المشتريات لا يمثل منفعة اقتصادية بحد ذاته، ما لم ينعكس على تقليل تأخيرات المشاريع أو تكاليفها. كما أن تخفيض ساعات إعادة العمل يجب أن يظهر أثره في تكلفة التنفيذ والإنتاجية والربحية.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات للقياس:

الأول: مؤشرات تنفيذ المشروع، مثل الالتزام بالبرنامج الزمني والموازنة ونطاق العمل.

الثاني: مؤشرات الأداء التشغيلي، مثل مدة المشتريات وساعات إعادة العمل وإنتاجية العاملين.

الثالث: مؤشرات المنافع الاستراتيجية، مثل ارتفاع الربحية، وتحسن التدفقات النقدية، وتعزيز القدرة التنافسية.

ويجب تحديد خط أساس لكل مؤشر، وربط التحسن التشغيلي بقيمته المالية أو المؤسسية، مع مقارنة المنافع المحققة بتكاليف الاستثمار.

فقد تنجز الشركة جميع مشاريع التطوير في مواعيدها، دون أن تحقق الزيادة المستهدفة في الأرباح. وعندئذ لا يكفي إعلان نجاح التنفيذ، بل يجب مراجعة الافتراضات والنتائج لمعرفة أسباب الفجوة.

إطار عملي للتنفيذ

يمكن تحويل هذا المفهوم إلى منهج إداري واضح من خلال سبع خطوات مترابطة:

1. التشخيص: دراسة الأداء الحالي وتحديد المشكلات وأسبابها الفعلية.

2. اختيار الاستراتيجية: تحديد الأهداف والبدائل والأولويات المناسبة لقدرات المؤسسة.

3. إعداد محفظة المشاريع: تحويل الأهداف إلى مبادرات ذات مسؤوليات وموارد وبرامج زمنية محددة.

4. إعادة هندسة العمليات: تطوير الإجراءات والصلاحيات والأنظمة اللازمة للتنفيذ.

5. إدارة التغيير: إعداد العاملين وتطوير المهارات ومعالجة العوائق السلوكية والتنظيمية.

6. المتابعة والرقابة: قياس الإنجاز والتكلفة والجودة والمخاطر، واتخاذ الإجراءات التصحيحية.

7. قياس المنافع: مقارنة النتائج الفعلية بالأهداف المعتمدة، وتقييم العائد وإعادة النظر في المبادرات عند الحاجة.

ويجب أن تخضع هذه الخطوات لحوكمة واضحة، بحيث تكون الإدارة العليا مسؤولة عن التوجه الاستراتيجي، ومديرو المشاريع مسؤولين عن تنفيذ المبادرات، مع تحديد مسؤول عن تحقيق المنافع المتوقعة من كل مبادرة بعد اكتمالها.

كما ينبغي ألا تقتصر المراجعات الدورية على نسب الإنجاز، بل تشمل العلاقة بين الموارد المستخدمة والتحسينات المحققة.

ومن المهم إدراك أن بعض المنافع لا تظهر فور انتهاء المشروع، بل قد تحتاج إلى فترة تشغيلية تسمح بقياس أثر التغيير بصورة موضوعية.

الكفاءة الاستراتيجية ومعايير اختيار المديرين

تقودنا هذه المنهجية إلى قضية تتعلق بتأهيل المديرين واختيارهم.

فليس كل مدير ناجح في إدارة العمليات اليومية مؤهلاً بالضرورة لتولي المسؤوليات الاستراتيجية.

قد يمتلك المدير خبرة فنية طويلة وقدرة متميزة على ضبط التكاليف وتنفيذ المشاريع، لكنه يحتاج إلى مهارات إضافية في تحليل البيئة التنافسية، وتقييم البدائل، وفهم العلاقات بين إدارات المؤسسة، واستشراف النتائج بعيدة المدى.

كما أن القيادة الاستراتيجية تتطلب القدرة على إدارة التغيير وتفويض الصلاحيات وتحفيز العاملين، وليس الاكتفاء بالرقابة المباشرة على الأنشطة.

ولهذا أرى أن إتقان الاستراتيجية، وفهم إدارة المشاريع وإعادة هندسة العمليات والسلوك التنظيمي، يجب أن تكون من المؤهلات التي تؤخذ في الاعتبار عند اختيار القيادات الإدارية، إلى جانب الخبرة الفنية والعملية.

فالسنوات الطويلة في الإدارة لا تكفي وحدها لإثبات امتلاك الكفاءة الاستراتيجية.

الخاتمة

إن ما تعلمته من العمل في إدارة المشاريع والتخطيط هو أن جودة التنفيذ تبدأ من سلامة القرار، وأن القرار الصحيح لا يحقق قيمته ما لم تتوافر له الموارد والعمليات والأشخاص القادرون على تنفيذه.

ولذلك فإن تطوير المؤسسات لا يتحقق بمجرد إعداد الخطط الاستراتيجية أو شراء الأنظمة الحديثة أو إعادة تنظيم الأقسام، وإنما بتكامل هذه الإجراءات ضمن رؤية واضحة، ومشاريع قابلة للتنفيذ، ومؤشرات أداء مرتبطة بمنافع حقيقية.

وأعتقد أن هذا المفهوم لا يقتصر على الشركات الخاصة، بل يمتد إلى المؤسسات العامة التي ينبغي أن تقيس نجاح مبادراتها بمقدار التحسن الذي تحققه في جودة الخدمات وكفاءتها، وليس بعدد المشاريع التي تعلن إنجازها.

فالمدير الجيد يسعى إلى تنفيذ الأعمال بصورة صحيحة، أما القائد الاستراتيجي فيبدأ باختيار الأعمال الصحيحة، ثم يتأكد من أن تنفيذها قد حقق النتائج المرجوة.

وهذا هو جوهر الإدارة التي تستحق أن نعمل على تطويرها: إدارة لا تكتفي بالتخطيط والإنجاز، بل تتحمل مسؤولية تحقيق المنافع.