بقلم: عوني الرجوب

 

تخيّلوا أن يُطرق باب منزل أردني في الساعة الثامنة والنصف مساءً، فتتجه طفلة صغيرة إلى العين السحرية في الباب، فتنظر منها ولا ترى أحداً. يتكرر الطرق مرة ثانية، فتقترب من الباب وتحاول النظر من خلفه، لكنها لا ترى أحداً أيضاً.

وعندما تفتح الباب، تفاجأ بأن الشخص الذي طرقه لم يعد يقف أمامه، بل أصبح بعيداً عنه. تخرج الطفلة قليلاً، وفجأة تسمع صوت شخص يتحدث إليها، فتخاف وترتجف، وإذا به يقول لها: «أنا موظف الإحصاء، مين في البيت؟».

تجيبه الطفلة ببراءة وخوف: «أنا وماما»، ثم تُغلق الباب بسرعة.

تخيّلوا حجم الخوف الذي عاشته هذه الطفلة في تلك اللحظات! طفلة صغيرة لا تعرف من يقف أمام منزلها، ولا لماذا لم يكن ظاهراً أمام الباب عندما حاولت النظر، ولا ما طبيعة المهمة التي جاء من أجلها. كل ما تعرفه أنها أمام شخص غريب يتحدث إليها في وقت متأخر من المساء.

وهنا يحق لنا أن نسأل: هل هذه هي الطريقة المناسبة لزيارة المنازل وجمع البيانات؟ وهل روعيت في هذا الموقف سلامة الطفلة وطمأنينتها وخصوصية الأسرة الأردنية؟

لقد وصلت شكاوى من مواطنين في عمّان بشأن زيارات مسائية لفرق الإحصاء، تحدثوا فيها عن طرق أبواب المنازل بعد ساعات المساء، وطرح أسئلة في غياب أولياء الأمور.

إن ما حدث يستحق الوقوف أمامه بجدية، ليس بهدف الإساءة إلى موظفي دائرة الإحصاءات العامة الذين يؤدون واجبهم، بل من أجل مراجعة أساليب العمل وضمان أن تتم المهام الرسمية بطريقة تحترم المواطن وتحافظ على أمن أسرته وراحة أطفاله.

فالطفل ليس مسؤولاً عن تقديم بيانات أسرته، ولا ينبغي وضعه في موقف يضطر فيه إلى الإجابة عن أسئلة لا يفهم طبيعتها أو أبعادها.

وهنا لا بد من التوقف أمام مسألة أساسية تتعلق بسلامة الأسرة وأمنها.

عندما يُطرق باب منزل في وقت متأخر من الليل، ولا يظهر الطارق أمام عدسة عين الباب، ثم يبتعد عن الباب ويتحدث إلى طفل بعد فتحه الباب ، فإن هذا التصرف يكون مخيفاً ومقلقاً، بصرف النظر عن هوية الشخص أو طبيعة المهمة التي يدّعي القيام بها.

ففي مثل هذه الظروف، لا يستطيع المواطن أن يعرف على وجه اليقين من يقف خلف الباب. وقد يكون من يطرق الباب شخصاً ينتحل صفة موظف في دائرة الإحصاءات العامة، وقد يستغل وجود طفل بمفرده أو غياب ولي الأمر لارتكاب جريمة.

نحن لا نجزم بأن هذا هو ما حدث في الواقعة المذكورة، لكن واجب الجهات الرسمية أن تتعامل مع هذه الاحتمالات بمنتهى الجدية، وأن تضع إجراءات تمنع استغلال العمل الرسمي غطاءً لأي جريمة محتملة.

فكيف نطلب من أطفالنا الحذر من الغرباء، ثم نتركهم في مواجهة أشخاص يطرقون أبواب المنازل ليلاً؟ وكيف يمكن لطفل صغير أن يميّز بين موظف رسمي وشخص ينتحل صفته؟ إن مجرد ادعاء الطارق أنه موظف إحصاء لا يكفي لتبديد الخوف أو ضمان سلامة الأسرة.

ومن هنا، فإن المطلوب هو منع طرق أبواب المنازل منعاً باتاً بعد الساعة السادسة مساءً، باعتبار ذلك إجراءً احترازياً ضرورياً لحماية المواطنين، ومنع أي شخص من استغلال صفة موظف الإحصاء في وقت متأخر من اليوم.

كما لا يجوز لموظف الإحصاء أن يطرق الباب ثم يختفي، أو أن يقف بعيداً عن مجال رؤية السكان. فهذا تصرف مخيف يثير الشك والقلق، ولا ينسجم مع أبسط قواعد العمل الميداني الآمن.

وعلى موظف الإحصاء، إذا لم يجد شخصاً بالغاً في المنزل، أن يغادر المكان فوراً، وأن يترك إشعاراً رسمياً يحدد موعداً آخر خلال ساعات النهار، من دون طرح الأسئلة على الأطفال.

والأهم من كل ذلك، ونحن في فصل الشتاء، الساعة السابعة مساءً هي ليل دامس، فما بالك بالساعة الثامنة والنصف؟ يجب أن يُمنع عمل فرق الإحصاءات العامة ميدانياً بعد الساعة السادسة مساءً منعاً باتاً.

كما يجب على موظف الإحصاء أن يجيب فوراً عندما يُسأل "من الطارق؟" ولا يصمت حتى يتم فتح الباب، ثم يقول لطفلة بعد أن وجدته مختفياً بعيداً عن الباب "أنا موظف إحصاءات".

نحن ندرك أهمية التعداد السكاني، ونعلم أن البيانات الدقيقة تساعد الدولة في التخطيط، لكن أهمية العمل الإحصائي لا تبرر تعريض الأسر للخوف، ولا تسمح بطرق الأبواب في أوقات متأخرة، ولا تبرر وضع الأطفال في مواجهة أشخاص غرباء. فسلامة المواطن تسبق جمع أي معلومة.

وعليه، فإننا نطالب دائرة الإحصاءات العامة بما يلي:

 1.   منع طرق أبواب المنازل منعاً باتاً بعد الساعة السادسة مساءً، واعتماد ساعات النهار حصراً.

 2.   منع موظفي الإحصاء من طرح أي أسئلة على الأطفال أو طلب معلومات منهم.

 3.   إلزام الموظف بالبقاء ظاهراً أمام عدسة عين الباب، وعدم طرق الباب ثم الابتعاد.

 4.   وضع إجراءات تمنع انتحال صفة موظف الإحصاء، وتتيح للمواطنين التحقق من الهوية.

 5.   ترك إشعار رسمي عند عدم وجود شخص بالغ يتضمن موعداً نهارياً بديلاً.

إن هذه المطالب لا تستهدف دائرة الإحصاءات العامة، بل تهدف إلى حماية موظفيها والمواطنين على حد سواء.

إن البيت الأردني ليس مجرد عنوان في سجل إحصائي، والطفل ليس مصدراً للمعلومات.

خصوصية البيت الأردني خط أحمر، وأطفالنا أمانة، ومنع طرق الأبواب ليلاً إجراء احترازي ضروري لا يحتمل التأجيل.