شهدت العاصمة التونسية اليوم تدفقا بشريا ضخما في مسيرات حاشدة جابت الشوارع الرئيسية، وذلك في تحرك يعكس تصاعد حالة الغضب الشعبي تجاه سياسات الرئيس قيس سعيد. وجاء هذا الحراك الذي شاركت فيه أطياف واسعة من المجتمع المدني والنقابات للمطالبة بوقف التراجع في الحريات العامة واستعادة المسار الديمقراطي في البلاد، وسط ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

واكد المشاركون في هذه الاحتجاجات التي تعد الاكبر منذ سنوات ان البلاد تمر بمرحلة مفصلية تتطلب وقفة جماعية، حيث تجمعت الحشود في ساحة محمد علي قبل ان تتجه نحو شارع الحبيب بورقيبة الذي يحمل رمزية تاريخية للمطالب الشعبية. واظهرت المشاهد الميدانية مشاركة واسعة من القوى النقابية والمهنية والسياسية التي توحدت لاول مرة منذ فترة طويلة لمواجهة ما وصفوه بالتفرد بالسلطة.

وبين المحتجون ان تونس تعاني من ازمات متلاحقة تشمل نقص الخدمات الاساسية وتدهور القدرة الشرائية، حيث ردد المتظاهرون شعارات تطالب بالحرية ووقف الملاحقات الامنية والقضائية ضد المعارضين. واضاف المتظاهرون ان الصمت تجاه الاوضاع الراهنة لم يعد خيارا، خاصة مع استمرار السياسات التي تؤدي الى تضييق الخناق على الحقوق المدنية والنقابية.

تحديات اقتصادية وسياسية تتصدر المشهد

واشار صلاح الدين السالمي الامين العام لاتحاد الشغل في كلمة له امام الحشود الى ان جوهر الازمة يكمن في استحواذ شخص واحد على كافة مفاصل الدولة، وهو ما تسبب في حالة من الاحتقان الاجتماعي. واوضح ان الوضع يتطلب حلولا جذرية بعيدا عن سياسة التخوين والاتهامات المتبادلة التي لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل غلاء الاسعار ونقص المواد الاساسية.

وشدد المواطنون الذين قدموا من مختلف المحافظات على ان مطالبهم تتجاوز الجانب السياسي لتشمل تحسين ظروف العيش اليومي، منتقدين الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء وتراجع جودة المرافق العامة. واكدوا ان استمرار البلاد في هذا المسار قد يؤدي الى عواقب وخيمة على الاستقرار الاجتماعي في المدى القريب.

وكشفت التحركات الميدانية عن وجود حالة من التنسيق العالي بين مختلف القوى المعارضة، حيث رفع الجميع شعارات تونس اولا والشعب فوق كل اعتبار. واوضحت الهتافات التي رددها المحتجون ان هناك رفضا قاطعا لما يسمونه بدولة البوليس، مع تمسك واضح بالثوابت التي قامت عليها الثورة التونسية قبل خمسة عشر عاما.

موقف السلطة من الاحتجاجات الشعبية

واكد الرئيس قيس سعيد في مناسبات سابقة رفضه لهذه الاتهامات، معتبرا ان اجراءاته تهدف الى تطهير البلاد من الفساد والمفسدين الذين يعرقلون مسار الاصلاح. وبين ان ما يصفه المعارضون بالاستبداد هو في الحقيقة خطوات ضرورية لاستعادة هيبة الدولة وتصحيح المسار السياسي الذي انحرف عن اهدافه لسنوات طويلة.

واضاف ان الازمات الاقتصادية المفتعلة تهدف بالاساس الى تأجيج الشارع، مشددا على انه ماض في نهجه القانوني لتفكيك ما يسميها بشبكات الخيانة والعمالة. واظهرت التحركات الامنية المكثفة في محيط العاصمة حالة من الاستنفار لمواجهة اي انفلات محتمل، في حين يصر المحتجون على مواصلة تحركاتهم السلمية حتى تحقيق مطالبهم.

واكد مراقبون ان هذا الحراك يعيد رسم موازين القوى في الشارع التونسي، حيث اصبح من الصعب تجاهل هذه الاصوات التي تطالب بتغيير النهج السياسي والاقتصادي. واوضحت التطورات الاخيرة ان الانقسام بين السلطة والمعارضة قد وصل الى نقطة حرجة تتطلب حوارا وطنيا شاملا لتجنيب البلاد المزيد من التوترات.