بقلم محمد النجار
ماذا لو لم تكن المشكلة في كثرة الناس من حولنا، بل في كل ما نفقده من أنفسنا ونحن نحاول أن نرضيهم؟
حين اطّلعت على فلسفة آرثر شوبنهاور، توقفت عند فكرته عن العزلة؛ فهو يراها ليست حرمانًا من الآخرين، بل امتيازًا لا يدرك قيمته إلا من تعلّم الاستمتاع بذاته. ويربط بينها وبين الاستقلال الفكري، معتبرًا أن الإفراط في الاختلاط قد يجعل الإنسان أسيرًا لآراء الناس ومجاملاتهم وصراعاتهم، حتى يفقد حريته في التفكير ويخفت صوته الداخلي.
فالعزلة ليست مجرد ابتعاد عن الناس، بل أن يبلغ الإنسان من الاكتفاء بذاته حدًّا لا يعود معه وجود الآخرين شرطًا لراحته أو اكتمال حياته.
كنتُ أعارض هذه الفكرة؛ لأنني أؤمن بأن الإنسان كائن اجتماعي، وأن العلاقات الإنسانية بما تحمله من محبة وتكافل ومشاركة جزء أساسي من معنى الحياة. لكنني مع الوقت بدأت أتساءل: هل كنت أرفض العزلة لأنها خاطئة، أم لأنني كنت أنظر إليها من زاوية واحدة؟
نحن نعيش في عالم تتزايد فيه التعقيدات، وتثقل التحديات الاقتصادية كاهل الإنسان، وتستنزف ضغوط العمل طاقته، فيما تتزاحم الأفكار والصراعات على عقولنا، حتى نعجز أحيانًا عن التمييز بين ما نؤمن به حقًّا وما نردده لإرضاء الآخرين أو مجاراة المجتمع.
صرنا نتواصل مع مئات الأشخاص يوميًّا، لكننا قد نعجز عن العثور على شخص واحد يفهم ما يدور في داخلنا. نبدو حاضرين في كل مكان، بينما نبتعد عن ذواتنا؛ نؤدي أدوارًا لا تشبهنا، ثم نعود مثقلين بتعب سببه التظاهر أكثر مما سببه الحضور.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل تكون العزلة هي الحل؟
هل نحتاج إلى الابتعاد عن الناس كي نحافظ على سلامنا الداخلي، أم إلى مراجعة ما نسمح له باحتلال حياتنا؟ ربما لا تكمن المشكلة في الاختلاط ذاته، بل في علاقات تستنزفنا وتطالبنا بأن نكون غير ما نحن عليه.
فليس كل اقتراب مودة، وليس كل ابتعاد جفاء، وليس كل من يجلس وحيدًا يشعر بالوحدة. قد يكون الإنسان محاطًا بالناس ويشعر بالغربة، وقد يجد في صمته طمأنينة لم يجدها في سنوات من العلاقات المفروضة.
ومع ذلك، لا أظن أن الحل في إغلاق الأبواب والانسحاب من الحياة؛ فالإنسان لا يحتاج إلى التخلي عن الآخرين، بل إلى اختيار من يضيفون إلى روحه، ووضع حدود تحفظ طاقته ووضوحه. نحتاج إلى عزلة تعيد ترتيب دواخلنا دون أن تقطع صلتنا بالحياة، وإلى علاقات تمنحنا الحرية بدل أن تجعلنا أسرى لأحكام الآخرين.
لكن كيف نحافظ على ذواتنا دون أن نقسو؟ كيف نعيش بين الناس دون أن نذوب فيهم، ونمنح الصمت دوره دون أن يتحول إلى سجن، ونترك للوحدة معناها دون أن تصبح فراغًا؟
ربما لهذا تبدو مقولة محمود درويش حاضرة حين يقول: «كل الذين ماتوا نجوا من الحياة بأعجوبة».
إنها عبارة تضعنا أمام مفارقة موجعة؛ فالحياة التي نتمسك بها قد تصبح أحيانًا عبئًا يفوق قدرتنا على الاحتمال. ومع ذلك، تظل النجاة الحقيقية ألا نفقد أنفسنا ونحن نحاول الاستمرار، وألا نسمح لقسوة العالم بأن تجعلنا نسخة من قسوته.
وربما لا تكون العزلة نجاة، ولا الاختلاط خلاصًا؛ بل تكون النجاة في أن نعرف متى نقترب ونبتعد، وأن نمنح الآخرين مكانًا في حياتنا دون أن نتنازل عن مكاننا في داخلنا.
لكن ماذا لو كان أصعب أنواع العزلة أن تعيش بين الناس وأنت مضطر إلى إخفاء حقيقتك؟ وماذا لو كانت المعركة الحقيقية بين أن تعيش كما تريد، وأن تقضي عمرك كما يريد الآخرون؟
فهل نحتاج إلى اعتزال العالم كي ننجو منه، أم إلى أن نتعلم كيف نعيش فيه دون أن نخسر أنفسنا؟
