بقلم: عوني الرجوب / باحث وكاتب سياسي
لم تعد الحروب التي تشهدها منطقتنا أحداثاً منفصلة يمكن قراءة كل منها بمعزل عن الأخرى، بل بات من الضروري النظر إليها في سياق الصراع على النفوذ وموازين القوى ومستقبل المنطقة. وما يجري في اليمن، في ظل تصاعد المواجهة الإقليمية، يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت هذه الحرب تمثل مقدمة لمرحلة أوسع تستهدف إيران، وتضع المنطقة العربية بأسرها أمام مخاطر يصعب احتواؤها.
إن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تخفيان سعيهما إلى إضعاف إيران والحد من قدراتها العسكرية ونفوذها الإقليمي. وقد أعلن بنيامين نتنياهو مراراً مواقف وأهدافاً تتعلق بمواجهة إيران، فيما أظهرت التطورات أن المواجهة لم تعد محصورة في التصريحات والضغوط السياسية، بل امتدت إلى العمل العسكري المباشر.
ومن هنا، فإن قراءة ما يجري في اليمن لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الساحة اليمنية، بل يجب أن تأخذ في الحسبان ارتباطها بأمن الخليج والبحر الأحمر ومضيق باب المندب، وباحتمالات اتساع المواجهة لتشمل جبهات إقليمية أخرى.
إيران هدف للمواجهة، لكن العرب قد يكونون أول من يدفع الثمن.
إيران قد تُضعف، لكن هل يسقط نظامها؟
لقد راهنت الولايات المتحدة وإسرائيل على إضعاف إيران وتقليص قدرتها على التأثير في المنطقة، وذهبت بعض الطروحات إلى تغيير النظام الإيراني نفسه. لكن إسقاط نظام سياسي متجذر في مؤسسات الدولة، وله امتداداته وقدراته، ليس أمراً يمكن ضمانه بالقصف والضغوط الاقتصادية والعسكرية وحدها.
قد تتعرض إيران لخسائر عسكرية واقتصادية كبيرة، وقد تتراجع قدرتها على دعم حلفائها أو إدارة نفوذها الإقليمي، لكن إضعاف الدولة لا يعني بالضرورة سقوط نظامها، كما أن استهداف قدراتها لا يضمن إنهاء الصراع معها.
وهنا تبرز المعضلة الحقيقية: ماذا لو انتهت المواجهة بإيران أضعف عسكرياً واقتصادياً، لكنها بقيت دولة قائمة ونظاماً مستمراً، فيما دفعت المنطقة العربية أثماناً باهظة نتيجة اتساع الحرب؟
إن هذا السيناريو يستحق أن يكون في صلب الحسابات العربية، لأن نتائج الحروب لا تُقاس فقط بحجم ما يلحق بالخصم من أضرار، بل أيضاً بحجم الخسائر التي تصيب الدول المحيطة به، وبما تتركه المواجهة من أزمات طويلة الأمد.
العرب وقود الحرب… حتى من دون المشاركة فيها
هنا تكمن خطورة المشهد.
عندما نتحدث عن العرب بوصفهم وقوداً للحرب، فإننا لا نعني بالضرورة أنهم جميعاً سيشاركون فيها عسكرياً، ولا نتهم دولة عربية بعينها باتخاذ قرار الدخول في المواجهة. إنما نعني أن الجغرافيا العربية ومصالح شعوبها وأمنها واقتصاداتها ستكون في دائرة الخطر، حتى لو اختارت حكوماتها الابتعاد عن الحرب.
فالأردن، والسعودية، ودول الخليج، وسوريا، ولبنان، والعراق، واليمن، وغيرها من دول المنطقة، ليست بمنأى عن تداعيات أي مواجهة واسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
قد تتعرض بعض هذه الدول لضربات مباشرة أو غير مباشرة، وقد تصبح منشآتها الحيوية وممراتها البحرية ومصالحها الاقتصادية عرضة للخطر، فضلاً عن احتمالات اتساع المواجهات عبر أطراف إقليمية متعددة.
كما أن اضطراب الملاحة والطاقة والتجارة، وتزايد الإنفاق الأمني والعسكري، واحتمالات النزوح وعدم الاستقرار، كلها نتائج لا تتوقف على إعلان الدولة مشاركتها في الحرب من عدمه.
وهكذا قد يجد العرب أنفسهم في قلب معركة لم يختاروا توقيتها، ولم يحددوا أهدافها، ولا يملكون وحدهم قرار إنهائها.
من يحمي العرب عندما تتسع المواجهة؟
إن الرهان على القوى الكبرى في حماية المنطقة رهان يحتاج إلى مراجعة واقعية. فالولايات المتحدة، مثل سائر القوى الدولية، تتحرك وفق حسابات مصالحها الاستراتيجية، وقد تتقاطع هذه المصالح مع مصالح حلفائها في مرحلة، ثم تتباعد عنها عندما تتغير الأولويات.
وإسرائيل بدورها تضع أمنها وأهدافها الاستراتيجية في مقدمة حساباتها، ولن يكون من المنطق افتراض أن ما يخدم أهدافها العسكرية سيؤدي بالضرورة إلى استقرار الدول العربية أو حماية مصالحها.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن إيران تمتلك حساباتها ومصالحها الخاصة، وأن اتساع الحرب قد يدفعها إلى الرد على أهداف في المنطقة، بما قد يعرّض دولاً عربية وشعوبها ومنشآتها الحيوية لمخاطر إضافية.
وبذلك، قد تجد الدول العربية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: لا ضمانات بأن واشنطن ستمنع جميع الأخطار عنها، ولا ضمانات بأن طهران ستستثنيها من تداعيات المواجهة.
لا أميركا تحمي العرب من جميع المخاطر، ولا إيران ستكون ملاذاً لهم إذا اشتعلت المنطقة.
وهذه ليست دعوة إلى معاداة طرف لمصلحة طرف آخر، بل دعوة إلى إدراك حقيقة أن الدول لا تستطيع ترك مصيرها رهناً بحسابات الآخرين، مهما كانت طبيعة تحالفاتها وعلاقاتها السياسية.
بين حانا ومانا ضاعت لحانا
المأساة العربية ليست في أن إيران مستهدفة فحسب، ولا في أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى تغيير موازين القوى في المنطقة، بل في أن العرب قد يجدون أنفسهم أمام نتائج استراتيجية كبرى من دون امتلاك مشروع عربي موحد يحمي مصالحهم ويحد من الخسائر.
فإذا أُضعفت إيران وبقي نظامها، فإن المنطقة قد لا تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب. وإذا اتسعت المواجهة، فقد تكون الدول العربية الأقرب جغرافياً إلى مسارح العمليات من أكثر المتضررين، سواء شاركت في الحرب أم بقيت خارجها.
وإذا طال أمد الصراع، فإن كلفته لن تقتصر على الصواريخ والطائرات والمنشآت المدمرة، بل ستمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والاستقرار الاجتماعي ومستقبل الأجيال.
وعندها، قد يجد العرب أنفسهم بين كفي كماشة: ضغوط ومصالح دولية من جهة، ومخاطر الردود الإيرانية واتساع الصراع من جهة أخرى.
وبين حانا ومانا ضاعت لحانا.
إن المطلوب عربياً ليس انتظار نتائج الحرب ثم محاولة احتواء آثارها، بل إدراك مخاطرها قبل أن تتسع، والعمل على تحصين الدول العربية من تداعياتها، والتمسك بسيادة الدول ورفض الاعتداءات والتدخلات، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية على منطق القوة.
فالعرب ليسوا مطالبين بالدفاع عن سياسات واشنطن، ولا بتبرير سياسات طهران، ولا بمنح إسرائيل فرصة لتحقيق أهدافها على حساب أمن المنطقة. إنما هم مطالبون بالدفاع عن مصالحهم وأمن شعوبهم واستقلال قرارهم.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العواصم العربية ليس فقط: من سينتصر في الحرب على إيران؟ بل: من سيحمي العرب من نتائجها، ومن يتحمل مسؤولية الخسائر إذا تحولت المنطقة كلها إلى ساحة مفتوحة للصراع؟
فقد تُضعف الحرب إيران، وقد تعيد رسم موازين القوى، لكن الخطر الأكبر أن تنتهي المواجهة بينما تكون الدول العربية قد دفعت الثمن الأكبر، من أمنها واستقرارها وثرواتها، من دون أن تكون قد امتلكت قرار الحرب أو قرار السلام.
وهنا تكمن المأساة: أن يخوض الآخرون معاركهم بأهدافهم وحساباتهم، ثم يجد العرب أنفسهم في مقدمة من يدفعون ثمنها
