في زاوية دافئة من منزلها بطهران تقف ليندا برنجي امام مرآتها لتتأمل ملامحها التي غيرها العلاج الكيميائي، لكنها بدلا من الاستسلام للحزن تختار ان تمارس طقوس الحب مع زوجها محسن عبر الاعتناء بشعر رأسه، مؤكدة ان ارادتها اقوى من المرض الذي سلبها شعرها، حيث ترى في هذه اللحظات انتصارا معنويا على ورم يلاحقها منذ عقدين من الزمن.
وتستعيد ليندا شريط ذكرياتها التي بدأت قبل واحدا وعشرين عاما، حين كانت معلمة في مقتبل العمر ومقبلة على الحياة، قبل ان يقتحم السرطان جسدها للمرة الاولى في عام 2005، ومنذ ذلك الحين خاضت ثماني جولات من المواجهة القاسية مع المرض، متنقلة بين غرف العمليات وجلسات الكيماوي لتعود في كل مرة متمسكة بالحياة ومصرة على البقاء.
وكشفت ليندا عن لحظة اكتشافها للكتلة في ثديها الايسر، موضحة انها اهملت الاعراض في البداية ظنا منها ان فقدان وزنها ناتج عن نشاطها الزائد، لكن الفحوصات الطبية جاءت صادمة لتؤكد انتشار المرض، ومع ذلك فقد اختارت ان تستقبل الخبر بالرقص وتحدي الالم، معتبرة ان كل يوم تعيشه هو منحة تستحق الامتنان.
صدمة التشخيص وارادة البقاء
وبينت ليندا ان الاطباء اخبروها يوما بان ايامها في الحياة معدودة، لكنها رفضت ان تكون مجرد رقم في سجلات اليأس، حيث واصلت رحلة العلاج رغم الضربات الموجعة التي تلقتها، لتعود وتواجه المرض مرة اخرى في الغدد الليمفاوية ثم الرئة، متحدية كل التوقعات العلمية التي كانت تشير الى استحالة نجاتها.
واوضحت انها اصبحت تمتلك حسا فطريا يمكنها من استشعار عودة السرطان قبل ظهور الاعراض السريرية، مشددة على ان سرطان الثدي يمتلك جذورا وراثية في عائلتها، وان حالتها النفسية وتأثرها بالصدمات الحياتية يلعبان دورا محوريا في وتيرة انتشار الخلايا الخبيثة داخل جسدها، وهو ما جعلها اكثر وعيا بجسدها.
واكدت ان سنوات المرض العشرين التي عاشتها بعد التشخيص الاول تعد معجزة حقيقية، حيث تحولت تجربتها من معاناة فردية الى قصة ملهمة للكثيرات، مشيرة الى ان السرطان اصبح جزءا من هويتها النضالية التي لم تمنعها من ممارسة دورها كزوجة ومعلمة وناشطة توعوية في مجتمعها.
تحديات الدواء في ظل العقوبات
وذكرت ليندا ان المعركة لم تكن مقتصرة على الخلايا السرطانية فحسب، بل امتدت لتشمل صراعا مريرا للحصول على الادوية الضرورية، خاصة مع تذبذب توفرها في الصيدليات الايرانية خلال السنوات الاخيرة، حيث ادت العقوبات الاقتصادية والحصار المفروض الى تعقيد سلاسل الامداد وارتفاع تكاليف العلاج بشكل جنوني.
واضافت ان تكاليف الفحوصات الطبية والاشعة تضاعفت خمس مرات خلال فترة وجيزة، مما جعل الوصول الى الرعاية الصحية حلما بعيد المنال للكثير من العائلات ذات الدخل المحدود، موضحة ان المشكلة الحقيقية تكمن في التأخر بوصول الدواء، وهو ما يجعل المرضى في حالة صراع غير متكافئ مع الموت في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة.
وشددت على ان الواقع الصحي للمرضى اصبح محفوفا بالمخاطر، حيث ان اغلاق ابواب الاستيراد الفردي زاد من معاناة المصابات اللواتي يعتمدن على ادوية نوعية لا تتوفر دائما في السوق المحلية، مما يضع حياة الآلاف منهن على المحك في كل يوم يمر دون الحصول على الجرعة المطلوبة.
واقع السرطان في ايران
وبين المسؤول السابق بوزارة الصحة كيانوش جهانبور ان سرطان الثدي يتصدر قائمة الامراض الاكثر شيوعا بين النساء في البلاد، موضحا ان الوزارة تتبنى استراتيجية وطنية للكشف المبكر منذ سنوات، تهدف الى الوصول للنساء في المدن والارياف لتقليل نسب الوفيات المرتبطة بالاكتشاف المتأخر للاورام.
واظهرت البيانات الرسمية ان نحو تسعة عشر الف حالة اصابة جديدة تسجل سنويا، وهو ما يعني رصد حالة جديدة كل ثمانية وعشرين دقيقة، حيث اشار جهانبور الى ان الفئة العمرية المستهدفة بالبرامج الوطنية تتراوح بين ثلاثين وتسعة وستين عاما، مؤكدا ان المراكز الحكومية تقدم خدمات التشخيص الاولي بشكل مجاني.
واوضح ان التزايد في عدد الحالات المسجلة يعود جزئيا لارتفاع مستوى الوعي المجتمعي والاقبال على الفحوصات، اضافة الى عوامل بيئية واجتماعية وتغيرات في انماط الحياة، مؤكدا ان الوزارة تكثف جهودها لتوفير المستلزمات الطبية رغم الضغوط التي تفرضها العقوبات على واردات المواد الاولية للادوية.
