من مأزق صنصال إلى معضلة الذين سجنوه

ما كان في البدء مأزقا للكاتب الجزائري (الفرنسي) بوعلام صنصال بالنظر لخطورة الكلام الذي تلفَّظ به عن تاريخ مناطق الغرب الجزائري، أصبح مشكلة للرئيس عبد المجيد تبون. في الحقيقة كان الموضوع مشكلة منذ اليوم الأول، لكنها ازدادت تعقيدا. فقد كانت هناك حلول أخرى غير الاعتقال، تفي بالغرض وتقتص للجزائر من صنصال، لكن جهات ما اختارت الحل الأقصى لأسباب يعرفها فقط الذين اتخذوا قرار الاعتقال.
ثم بدأت كرة الثلج تتدحرج فشنَّ سياسيون وصحافيون جزائريون حملة قبيحة على صنصال بلغت حدّ التشكيك في جزائريته ونسبه. كان ذلك صعودا غير مدروس إلى الشجرة لم يحسب أصحابه حساب النزول.
استمرت المشكلة وبدأت تزداد تعقيدا للطرف الجزائري عندما أعاد القضاء تكييف التهم الموجهة لصنصال من جنايات إلى جنح. واكتملت عندما أصدر القضاء يوم الخميس الماضي حكما مخففا (خمس سنوات سجنا نافذة) أثار الاستغراب حتى في فرنسا حيث علّق إعلاميون وناشطون بالقول إن فرنسا ذاتها تصدر أحكاما أقسى في مثل الاتهامات التي أُدين بها صنصال.
بين البداية وصدور الحكم كانت هناك مراحل وسطى تخللتها ليونة في الخطاب في الجزائر وفي فرنسا استفاد منها صنصال وخدمت الموقف الفرنسي أكثر من الجزائري.
في الجزائر تقرر أن يوفر النقاش الرئيس ماكرون والدولة الفرنسية ويتمحور فقط حول وزير الداخلية برونو روتايو واليمين المتطرف. ثم توّج الرئيس تبون هذه الليونة. فبعد أن قال كلاما حادا عن صنصال في خطاب أمام غرفتي البرلمان وكبار مسؤولي الدولة (نهاية ديسمبر الماضي) وقال لاحقا في مقابلة مع صحيفة «لوبينيون» الفرنسية (بداية شهر فبراير الماضي) إن صنصال مشكلة مفتعلة يتحملها الذين افتعلوها، أدلى تبون في لقاء مع صحافيين جزائريين الأحد قبل الماضي بحديث غلبت عليه الإيجابية واللباقة منه قوله إن الرئيس ماكرون هو بوصلته الوحيدة في إدارة العلاقات مع فرنسا.
في فرنسا سار الرئيس ماكرون في النهج نفسه. فبعد أن صعَّد لهجته وعاير الجزائر بـ«التخلي عن شرفها عندما تُبقي رجلا مريضا في السجن وتحرمه من دوائه» تراجع بوضوح بعد صدور الحكم وتمنى نهاية سريعة «لهذه القضية الإنسانية». كما خفّف السياسيون، خصوصا في دوائر الحكم، من لهجة خطابهم حيال الجزائر ودخل على الخط حديث عن زيارة محتملة لوزير الخارجية الفرنسي إلى الجزائر، بداية الشهر الجاري، يتكرر في تلميح إلى ميل البلدين نحو تطبيع العلاقات.
لن يمر يوم واحد من فترة سجن صنصال، في حال عدم منحه عفوا، لا يُذكر اسمه ومعاناته في الأوساط السياسية والإعلامية في فرنسا وبشكل يسيء لتبون وللجزائر
بعد صدور الحكم على صنصال بدت الأوساط السياسية في فرنسا حذرة في انتقاد الجزائر، لكنها لم تُخف تفاؤلها بصدور عفو رئاسي عن صنصال، بل كثّفت الحديث عن العفو بشكل يعطي الانطباع بوجود حملة مكثفة، خالية من الشتم، لكنها تكرّس العفو وتجعله تحصيل حاصل. لقد أصبح العفو عند الذين تبنّوا قضية صنصال في فرنسا أصبح العفو أهم من أيّ جدال في هذه المرحلة.
في الجزائر لم ترد بعد صدور الحكم ردود فعل تستحق الوقوف عندها. كان الحرج واضحا والرغبة في تجاوز موضوع صنصال أكثر وضوحا.
فهل يعفو تبون عن صنصال؟ من الصعب توقّع سيناريو آخر غير العفو. من المفروض الآن أن الأجواء مهيأة والفرصة مواتية يُستحسن استغلالها حتى لا يُحسب على الرئيس تبون أنه أبقى في السجن مثقفا يقترب من الثمانين يعاني المرض وخطر الموت. عدا هذا لن يمر يوم واحد من فترة سجن صنصال، في حال عدم منحه عفوا، لا يُذكر اسمه ومعاناته في الأوساط السياسية والإعلامية في فرنسا وبشكل يسيء لتبون وللجزائر.
على الصعيد السياسي ستحسب فرنسا على تبون أنه فوّت فرصة نادرة لإخراج العلاقات الثنائية من عنق الزجاجة.
في الجزائر سيبتهج كثيرون في حال امتناع تبون عن إصدار عفو عن صنصال. لكن المزاج العام هو أن العفو آت بلا ريب. وهذا هو الوجه الآخر للقطعة النقدية: ماذا سيقول الجزائريون في حال صدور عفو بعد أن سمعوا من سياسييهم وصحافة بلادهم، طيلة أربعة أشهر، أن صنصال هو الشر بعينه وأن تصريحاته العلنية ومواقفه تستحق أشد أنواع العقاب؟ لماذا شُحن الرأي العام بقوة وحدّة ضد صنصال وكيف السبيل للعودة عن ذلك الشحن؟
من الوارد أن يتولى الإعلام الجزائري مهمة الدفاع عن قرار العفو الرئاسي كما تولى مهمة إدانة صنصال قبل الحكم عليه. الوصفة جاهزة.. العفو عند المقدرة، الجوانب الإنسانية مثل العمر المتقدم والمرض المزمن والظروف العائلية.
لكن سيأتي من يرد، وأحدهم الكاتب السياسي عابد شارف، بأن الإنسانية والرأفة تقتضيان العدل لأن هناك جزائريين يستحقون عفوا للأسباب الإنسانية ذاتها لكنهم أقل حظا من صنصال. من هؤلاء مسؤولون سياسيون وعسكريون تولوا مناصب عليا في عهد الرئيس بوتفليقة وأُدينوا في قضايا فساد مالي وسياسي، أحدهم جمال ولد عباس الذي تجاوز التسعين ورئيس الوزراء السابق عبد المالك سلال الذي يقترب من الثمانين.
توفيق رباحي
كاتب صحافي جزائري