امل خضر تكتب اعتراف لا يشبه غيره حين تتحوّل أرض الصومال إلى ورقة في لعبة القرن الإفريقي
ليس كل اعتراف دبلوماسي فعلًا سياديًا عاديًا، فبعض الاعترافات تُكتب بحبر الجغرافيا لا بحبر السياسة. وما يُنسب إلى اعتراف إسرائيل بأرض الصومال إن ثُبّت رسميًا وتجاوز التسريبات والاختبارات لا يمكن قراءته كخطوة ثنائية مع كيان غير معترف به دوليًا، بل كـ تحريك مقصود لحجر حساس في رقعة شطرنج إقليمية شديدة التعقيد.
هذا الاعتراف، في جوهره، لا يبحث عن “دولة جديدة”، بل عن موقع جديد. ما الذي لا يُقال علنًا؟
القراءة السائدة تتوقف عند العناوين كيان انفصالي، بحث عن شرعية، مكاسب دبلوماسية لإسرائيل. لكن ما لا يُقال هو أن أرض الصومال لا تُختبر كدولة بل كنقطة ارتكاز؛ منصة جغرافية قريبة من أخطر ممر ملاحي في العالم، وملاصقة لبيئة رخوة سياسيًا وقابلة لإعادة التشكيل.
هنا لا يكون الاعتراف مكافأة، بل أداة.و كسر تابو إفريقي صامت
أخطر ما في الخطوة ليس إسرائيل، بل السابقة.
فالنظام الإفريقي رغم هشاشته قام منذ الاستقلال على مبدأ واحدعدم المساس بالحدود الموروثة. الاعتراف بأرض الصومال يضرب هذا المبدأ في العمق، ويضع الاتحاد الإفريقي أمام مأزق وجودي إما الدفاع عن وحدة الدول، أو القبول بتآكل بطيء لها تحت عناوين “الواقعية السياسية”.
وهذا تحديدًا ما يفتح شهية كيانات كامنة، من القرن الإفريقي إلى الساحل، لإعادة طرح سؤال الانفصال بلغة جديدة لغة الاعتراف المشروط بالمصالح.
البحر الأحمرالمسرح الحقيقي
من يظن أن القصة تبدأ في هرجيسا وينتهي تحليلها هناك، يخطئ التقدير.الوجهة الحقيقية هي البحر الأحمر، وبالتحديد المثلث الذي يضم القرن الإفريقي، الخليج، وشرق المتوسط. الاعتراف يمنح إسرائيل اقترابًا إضافيًا من باب المندب، لا بوصفه ممرًا ملاحيًا فحسب، بل كنقطة ضغط في زمن باتت فيه الممرات أخطر من الحدود.
وهنا تتحول أرض الصومال من كيان مهمّش إلى رقم أمني في معادلة دولية أكبر من قدرته على الاحتمال.
رابعًا: الاقتصاد وعود أكبر من الواقع
يُروّج للاعتراف بوصفه بوابة استثمار وتنمية، لكن الحقيقة أقل رومانسية.
نعم، هناك فرص في الموانئ والخدمات اللوجستية، وربما الزراعة والتكنولوجيا، لكن الاستثمار لا يعيش على الاعتراف وحده. يعيش على الاستقرار، والشرعية الواسعة، والقدرة على حماية العقود.
والسؤال غير المطروح؟؟؟؟
هل تتحمل أرض الصومال تحوّلها من منطقة هامشية إلى ساحة تنافس دولي؟
أم أن “الاستثمار” سيكون أمنيًا قبل أن يكون تنمويًا؟
الصومال الأم الخاسر الصامت
في كل هذا، تبدو الدولة الصومالية كأنها الطرف الغائب، لكنها في الحقيقة الخاسر الأكبر. الاعتراف يضعف أي مسار لإعادة بناء الدولة المركزية، ويحوّل التفكك من أزمة داخلية إلى أمر واقع دولي. والأسوأ أن ذلك يحدث في لحظة لم تتعافَ فيها الدولة بعد من هشاشتها البنيوية.
اعتراف يعيد تعريف اللعبة
هذا الاعتراف إن اكتمل ليس انتصارًا دبلوماسيًا لأرض الصومال، ولا مجرد اختراق لإسرائيل، بل تحول في منطق التعامل مع الجغرافيا الإفريقية من دول إلى مواقع،
ومن سيادة إلى وظيفة،
ومن خرائط ثابتة إلى خرائط قابلة للتعديل وفق المصالح.
إنه اعتراف لا يُقاس بعدد السفارات، بل بمستوى الاضطراب الذي قد يخلّفه في إقليم لم يعد يحتمل المزيد من التجارب.
وفي السياسة، أخطر الاعترافات هي تلك التي تأتي قبل أن تكتمل شروط الدولة.








