استخدام القوة العابرة للحدود: تقييم العملية الأميركية في فنزويلا ضمن القانون الدولي
د.دعد ناصيف القزي
ملخص
تناقش هذه الدراسة العملية الأميركية التي استهدفت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 كانون الثاني 2026، وتحللها من منظور القانون الدولي العام مع ربط التحليل بمبادئ القانون الجزائي الدولي ذات الصلة بالجرائم العابرة للحدود. تركز الدراسة على سيادة الدولة، وحظر استعمال القوة، وحصانة رؤساء الدول، مستندة إلى نصوص ميثاق الأمم المتحدة، الاجتهادات القضائية لمجلس العدل الدولية، والفقه القانوني الدولي المعاصر. كما توضح الدراسة الفجوة بين الممارسة السياسية والشرعية القانونية، مع تقديم تقييم نقدي شامل لشرعية العملية ومخاطرها على النظام الدولي القانوني.
المقدمة
أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ عملية عسكرية داخل أراضي فنزويلا نتج عنها اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد لمواجهة تهم جنائية. أثارت هذه العملية جدلاً واسعاً في المجتمع الدولي، خاصة فيما يتعلق بمشروعية استخدام القوة وامتثالها لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي العام، وحق سيادة الدولة وحصانة رؤساء الدول.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل العملية الأميركية من منظور قانوني دولي وفق الفقه والاجتهادات القضائية، مع التركيز على العلاقة بين العدالة الجنائية العابرة للحدود والسيادة الدولية، وتقييم مدى شرعية الإجراءات المتخذة.
أولاً: الوقائع الواقعية
وفق البيانات الرسمية:
نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة داخل فنزويلا استهدفت مواقع رئيسية واعتقلت الرئيس وزوجته.
العملية كانت بحجة ملاحقة جرائم جنائية دولية، مع عدم وجود تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي.
تسببت العملية في إدانات من دول ومنظمات دولية، معتبرة إياها انتهاكاً لسيادة فنزويلا ومبدأ حظر القوة في القانون الدولي.
ثانياً: الإطار القانوني العام
1. مبدأ حظر استعمال القوة
تنص المادة 2الفقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة، باستثناء الحالات التالية:
-الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي في حالة هجوم مسلح (المادة 51)
-تفويض مجلس الأمن بموجب الفصل السابع
يُعتبر هذا المبدأ قاعدة آمرة في القانون الدولي، لا يجوز الخروج عليها إلا ضمن الاستثناءات المحددة، كما أكد الفقه الدولي التقليدي Brownlie، Oppenheim.
2. الدفاع الشرعي
اجتهاد محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة (1986) أكّد أن الدفاع الشرعي يجب أن يستوفي:
-وجود هجوم مسلح قائم
-الضرورة والتناسب
في حالة العملية الأميركية ضد فنزويلا، لم يكن هناك هجوم مباشر من قبل فنزويلا، مما يجعل الدفاع الشرعي غير مطبق.
3. تفويض مجلس الأمن
لا يوجد أي قرار من مجلس الأمن يجيز هذه العملية، وبالتالي تبقى القوة المستعملة غير مشروعة قانونياً.
ثالثاً: الحصانات الدولية لرؤساء الدول
يجمع الفقه الدولي على أن رئيس الدولة يتمتع بحصانة شخصية مطلقة خلال فترة ولايته تشمل جميع الأفعال، حتى لو كانت جنائية، ما لم يتم التعامل معه ضمن آليات القضاء الدولي مثل المحكمة الجنائية الدولية.
عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي ونقله خارج أراضي بلاده تنتهك هذه الحصانة، ما يجعل الفعل مخالفاً للقانون الدولي حتى لو كانت الدوافع جنائية.
رابعاً: الفجوة بين الممارسة والسياسة والشرعية القانونية
تعكس هذه العملية فجوة بين القانون الدولي والواقع السياسي، حيث تتصرف الدول الكبرى أحيانًا خارج الإطار القانوني بينما يكون القانون معياراً للشرعية والعدالة الدولية، كما بيّن الفقه المعاصر (JURIST International Law Commentary، 2026).
خامساً: تقييم الفعل وفق الاجتهاد القضائي والفقه الدولي
استناداً إلى:
-محكمة العدل الدولية (قضية نيكاراغوا، قضية مذكرة التوقيف ضد الكونغو)
-الفقه التقليدي والمعاصر Brownlie، Oppenheim،
يخلص التحليل إلى أن العملية الأميركية:
-تخرق مبدأ عدم استخدام القوة
-تنتهك سيادة الدولة وحصانة الرئيس
-لا تتوافر أي استثناء قانوني لتبرير الفعل
الخاتمة
تشير هذه الدراسة إلى أن اعتقال رئيس دولة بالقوة، ونقله خارج بلاده، يتعارض صراحة مع القانون الدولي العام والفقه القضائي.
-لا يوجد تفويض من مجلس الأمن
-لا يوجد هجوم مسلح يبرر الدفاع الشرعي
-تنتهك الحصانة الدولية للرئيس
إذ يبقى هذا الحدث درساً مركزياً في تطور القانون الدولي، ويؤكد ضرورة تطوير آليات ملاحقة الجرائم الدولية مع احترام سيادة الدول وحصانات المسؤولين الرسميين، لضمان توازن بين العدالة الدولية والسيادة القانونية.
#المنتدى_القانوني_اللبناني








