وقفة تمثال… حين تتحوّل الذاكرة إلى مقاومة

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

محمد النجار 

في مدرجات كأس أمم أفريقيا 2025، حيث تعلو الهتافات وتتماوج الأعلام وتنفجر المشاعر مع كل هدف، برز مشجع واحد على نحوٍ مختلف، لا بصوته ولا بحركته، بل بصمته. وقف ميشيل نكوكا مبولادينغا، مشجع منتخب الكونغو الديمقراطية، ثابتًا كتمثال طوال زمن المباراة، لا يقفز فرحًا ولا ينكسر عند الخسارة، كأنه خارج إيقاع اللحظة، لكنه في الحقيقة كان أعمق حضورًا من الجميع.
لم تكن تلك الوقفة سلوكًا غريبًا أو بحثًا عن شهرة عابرة، بل فعلًا رمزيًا واعيًا، استدعاءً مقصودًا لذاكرة جريحة، وتذكيرًا ببطلٍ اغتيل جسدًا ولم يُغتل كفكرة : باتريس لومومبا، قائد استقلال الكونغو، الذي اغتيل عام 1961 لأنه تجرأ على أن يحلم لوطنه بالحرية والكرامة.
هكذا تحوّل جسد المشجع الساكن إلى خطابٍ صاخب، يوجَّه إلى أحرار العالم: إن الشعوب لا تنسى أبطالها، وإن غاب الجسد فالثوار لا يموتون، لأنهم فكرة، والفكرة لا تموت. وبعد أكثر من أربعة عقود، أيقظت هذه الوقفة صورة لومومبا في الذاكرة الأفريقية، لا بوصفه صفحة من كتاب تاريخ .
لقد أذهل مبولادينغا الجماهير حين وقف في كل مباراة لمنتخب بلاده طوال تسعين دقيقة كاملة دون أن يحرك ساكنًا. بدا جامدًا في الظاهر، لكنه كان ممتلئًا بالمعنى. كانت وقفته الشامخة تحكي قصة مناضل وقف يومًا في وجه الاحتلال البلجيكي، ذلك الاحتلال الذي نهب ثروات الكونغو، وفي مقدمتها المطاط الذي غذّى الصناعات الأوروبية. يومها، كانت عجلات السيارات في أوروبا تدور على دماء الكونغوليين وجثث أبنائهم.
وحين كان الشعب الكونغولي يرفض الانصياع لأوامر المستعمر، لجأت السلطات البلجيكية إلى واحدة من أبشع وسائل القمع: تقطيع أيدي الأطفال وسيلةً للضغط والترهيب، حتى اشتهرت الكونغو آنذاك بـ“أرض الأيادي المقطوعة”. لم يكن ذلك تاريخًا بعيدًا أو حادثة معزولة، بل نموذجًا فجًّا لوحشية الاستعمار حين يُواجه بشعبٍ يطالب بحقه في الحياة.
وكما هي سنن التاريخ، لا بد للظلام أن يُنجب شمعة، حتى لو احترقت لتنير الطريق. كان باتريس لومومبا تلك الشمعة. زعيم الحركة الوطنية الكونغولية، قوميًّا أفريقيًّا مؤمنًا بوحدة أفريقيا ومصيرها المشترك، لعب دورًا جوهريًا في تحويل الكونغو من مستعمرة بلجيكية إلى جمهورية مستقلة. دفع ثمن مواقفه اغتيالًا مبكرًا، لكنه ترك أثرًا لا يُمحى في وجدان القارة السمراء .

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences