ما حدث بين طهبوب والبكار الرقابة البرلمانية وحدود الخطاب ورفض تسييس العشائر

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

 


بقلم : عوني الرجوب
باحث ومحلل سياسي


خلال متابعتي لما حصل في مجلس النواب حول وزارة العمل، انتظرت وشاهدت بصمت، وتابعت تفاصيل الجلسة وما تلاها من تفاعلات، حتى خرجت بهذا المقال، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن النقاش العام يجب أن يُبنى على الوقائع والدستور، لا على الانفعال أو الاصطفاف الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة.


بدأ المشهد بسؤال رقابي قدّمته النائبة ديمة طهبوب حول ملف العمل اللائق، وهو ملف يمسّ جوهر الحقوق العمالية، من أجر عادل وأمان وظيفي، إلى ضمان اجتماعي وساعات عمل وبيئة آمنة.
وهو سؤال يدخل في صميم الدور الدستوري للنائب.


خلال ردّ وزير العمل خالد البكار، رأى عدد من النواب أن اللغة المستخدمة خرجت عن الإطار المهني الهادئ المفترض في جلسات المساءلة، ما اعتُبر انزلاقًا من النقاش المؤسسي إلى التوتر اللفظي.
وهنا بدأ الخلاف يأخذ بعدًا غير مطلوب.


على إثر ذلك، سجّل النائب سليمان حويلة وآخرون اعتراضهم، مؤكدين أن الوزير، كأي مسؤول تنفيذي، يخضع للرقابة البرلمانية، وأن السؤال النيابي ليس استهدافًا شخصيًا، بل ممارسة دستورية لا يجوز تأويلها خارج سياقها.
وهذا هو جوهر العمل النيابي.


ما أعقب الجلسة كان الأخطر، حين انتقل الخلاف من تحت القبة إلى الفضاء العام، وظهرت بيانات ذات طابع عشائري دفاعًا عن الوزير، الأمر الذي أخرج القضية من مسارها الدستوري إلى مسار اجتماعي مرفوض.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.


من وجهة نظر سياسية واضحة، فإن ما بين النواب والحكومة لا مكان للعشائرية إطلاقًا. الوزير يُحاسَب من مجلس النواب، لا من الشارع، ولا من أي إطار اجتماعي. ومن يلجأ إلى الدعم العشائري عند المساءلة، الأجدر به أن يبقى في إطار عشيرته لا في موقع القرار السياسي.
فالقرار العام مسؤولية وطنية لا اجتماعية.


الدولة الحديثة تقوم على قاعدة واحدة لا تقبل الجدل: كل مواطن أردني خاضع للمساءلة، والحكومة بكاملها خاضعة لرقابة مجلس النواب. وعلى النائب أن يستجوب ويحاسب ضمن القانون، وعلى الوزير أن يجيب بلغة هادئة مدعومة بالأرقام والوقائع.
وبغير ذلك يختلّ التوازن.


ما جرى تحت قبة البرلمان ليس حادثة عابرة، بل إنذار لمسار يجب تصحيحه. فالدولة التي نحترمها هي دولة المؤسسات لا البيانات العشائرية، ودولة القانون لا الاصطفاف. الوزير مسؤول يُحاسَب، والنائب رقيب يُساءل باسم الشعب، وأي خروج عن هذا الإطار يُضعف الحياة السياسية ولا يخدم المصلحة العامة. إن حماية هيبة مجلس النواب واجب وطني، ورفض تسييس العشائر ضرورة، لأن الدولة لا تُدار بالعاطفة، بل بالقانون، ولا تستقيم إلا عندما يخضع الجميع، بلا استثناء، لميزان واحد: الدستور والمسؤولية.
وهذه هي الخلاصة التي لا تحتمل التأويل

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences