منظور استراتيجي: الخطاب التوسعي، غرينلاند، وحدود سياسة القوة
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
في السنوات الأخيرة، أعاد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إحياء خطاب توسعي بدا وكأنه يتحدى النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. وقد أثارت تصريحاته حول احتمال الاستحواذ على غرينلاند، إلى جانب مواقفه المتشددة تجاه كوبا وإشارات أوسع إلى الهيمنة الأميركية، نقاشًا واسعًا حول ما إذا كانت هذه التصريحات أدوات تفاوض، أو استعراضًا سياسيًا، أو انعكاسًا لتفكير استراتيجي أعمق.
وانطلاقًا من دراساتي واهتمامي المهني بالتفكير والتخطيط الاستراتيجي، أتناول مسألة التوسع من زاوية التحليل الاستراتيجي البحت. وفي هذا الإطار، لا بد من التأكيد على مبدأ جوهري: الاستراتيجية ليست فعلًا منفردًا أو تصريحًا إعلاميًا، بل هي محصلة مجموعة من الخطط المتناسقة الهادفة إلى تحقيق هدف محدد. ومن دون انسجام بين النية السياسية، والإطار القانوني، والتحالفات، والموارد، ومستوى تقبل المخاطر، فإن الخطاب وحده لا يشكّل استراتيجية.
غرينلاند: المصلحة الاستراتيجية مقابل قابلية التنفيذ
تتمتع غرينلاند بقيمة استراتيجية حقيقية. فموقعها في القطب الشمالي يدعم أنظمة الإنذار المبكر، والدفاع الصاروخي، والسيطرة على طرق بحرية وموارد ناشئة. وهذه مصالح مشروعة. غير أن مشروعية المصلحة لا تبرر مشروعية الوسيلة. فأي محاولة للاستحواذ على غرينلاند بالقوة ستنتهك القانون الدولي وأعراف التحالفات، وتحوّل أصلًا استراتيجيًا إلى عبء استراتيجي فوري.
السيناريو الافتراضي: الاستيلاء على غرينلاند بالقوة
افتراضًا ولأغراض التحليل فقط فاتت قيام الولايات المتحدة بمحاولة الاستيلاء على غرينلاند بالقوة، فإن التداعيات ستكون فورية وشاملة:
• أوروبا: ستتعامل الدنمارك مع الحدث كهجوم مسلح، وسيُجبر الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات غير مسبوقة على الولايات المتحدة، فيما سيواجه حلف الناتو شللًا وظيفيًا وأزمة مصداقية عميقة.
• روسيا: ستتجنب روسيا المواجهة المباشرة، لكنها ستستثمر الأزمة لتوسيع نفوذها في القطب الشمالي وتعميق التصدعات عبر الأطلسي.
• الصين: ستعتمد الصين على الأدوات المؤسسية، بإدانة الخطوة دوليًا، وحشد دعم دول الجنوب، وتوسيع حضورها في القطب الشمالي، مع تسجيل تآكل مصداقية الولايات المتحدة بشأن مبدأ السيادة.
التقييم الاستراتيجي
وفق تعريف الاستراتيجية بوصفها محصلة خطط منسجمة موجهة نحو هدف واقعي، فإن هذا السيناريو يفشل في جميع الاختبارات الاستراتيجية:
• يتعارض مع منطق القوة القائم على التحالفات.
• يقوض الأطر القانونية والمعيارية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة.
• يمنح الخصوم فرصًا استراتيجية دون مكاسب مستدامة.
• يحوّل العمق الاستراتيجي إلى عزلة استراتيجية.
الخلاصة
تؤكد قضية غرينلاند، خطابًا وسيناريو، حقيقة استراتيجية أساسية: القوة التي تُمارس من دون شرعية وتنسيق ومواءمة تحالفية تؤدي إلى تآكل النفوذ لا تعزيزه. وفي عالم شديد الترابط، تُبنى الاستراتيجية المستدامة على التوقع، والتحالفات، واستخدام النفوذ ضمن إطار قانوني، لا على صدمات سياسية تُفكك الأنظمة التي تجعل القوة فعّالة.
إخلاء المسؤولية
إخلاء مسؤولية:
يمثل هذا المقال الآراء والتفسيرات والتقديرات المهنية الشخصية للمهندس نبيل إبراهيم حداد، وهو لأغراض معرفية وتثقيفية فقط، ولا يُعد استشارة مهنية أو قانونية أو تعاقدية.
وقد بُذلت أقصى الجهود لضمان دقة المعلومات الواردة فيه، إلا أن الكاتب لا يتحمل أي مسؤولية عن أي أخطاء أو سهو أو عن أي استخدام أو اعتماد على ما ورد في هذا المقال. ويُشجَّع القرّاء والمؤسسات على استخدام تقديرهم المهني الخاص وتكييف الأفكار الواردة وفق ظروفهم الخاصة.








