الاحترام الدبلوماسي… حين يصبح الصمت تواطؤًا
بقلم: عوني الرجوب
دبلوماسي ومحلل سياسي
ليس من باب المجاملة، ولا من منطلق البروتوكولات الدبلوماسية، أن أبدأ بالتأكيد على احترامي الكامل لكل السفراء المعتمدين لدى البلاط الملكي الهاشمي، احترامًا ينبع من قواعد الدبلوماسية وأعراف العلاقات الدولية، ومن إيماني واعتزازي بقيادتي وشعبي الأردني العظيم.
لكن هذا الاحترام، مهما كان راسخًا، لا يمكن أن يتحول إلى صك براءة سياسي أو أخلاقي لأنظمة تمارس القمع، أو تشرعن الاحتلال، أو تقتل الأبرياء بدمٍ بارد، ثم تطالب العالم بالتصفيق. فالخلاف السياسي ليس خروجًا عن اللياقة، بل هو حق مشروع، بل واجب أخلاقي حين تتحول بعض السياسات إلى عدوانٍ سافر على الإنسان، وإلى إرهاب دولة منظّم، وإلى احتلالٍ مقنّع، وإلى آلة قتل تطال الأطفال والنساء والمشردين، وتنهب ثروات الشعوب باسم القوة أو “المصالح العليا”.
وموقفي في هذا السياق واضح لا لبس فيه:
لا احترام لنظام سياسي يبني نفوذه على الدم، أو يفرض هيمنته بالقوة، أو يختبئ خلف الحصانات الدبلوماسية لتبرير الجرائم. ومع ذلك، أميّز بوضوح بين النظام والشعب، فالشعوب غالبًا ضحية قبل أن تكون شريكة، ولا يجوز تحميلها وزر سياسات لم تخترها.
السفير الذي يفهم جوهر مهمته، ويحترم سيادة الدولة التي يعمل على أرضها، ويخاطب العقول بوعي لا باستعلاء، ويتعامل مع القضايا العادلة بضمير إنساني، هو سفير يُحترم، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا.
أما من يحوّل موقعه الدبلوماسي إلى منبر لتسويق الاحتلال، أو تبرير القتل، أو تشويه القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، تحت ذرائع مستهلكة كـ”مكافحة الإرهاب وغيرها من مبررات”، فإن الاحترام هنا لا يكون فضيلة، بل يصبح تواطؤًا مرفوضًا.
فالاحترام لا يُفرض بالقوة، ولا يُستجدى بالمنصب، ولا يُنتزع بالحصانة.
الاحترام يُكتسب… أو يُفقد. ومن يحترم قضيتي، أحترمه وأحترم دولته شعبًا وحاكمًا. ومن يتوهم أن الغطرسة تصنع شرعية، أو أن التفوق العسكري يمحو الحقوق، أذكّره بأن التاريخ مليء بإمبراطوريات ظنت نفسها خالدة، من كسرى ملك الإمبراطورية الفارسية إلى هرقل ملك الروم، ثم سقطت هذه الإمبراطوريات حين تجاوزت حدود العدل، لأن الظلم — مهما طال — لا يدوم.
قد يكون هذا زمن قوة لبعض الدول، لكن الزمن لا يمنح أحدًا حصانة أبدية، والتاريخ لا يكتب نهايات مشرّفة للمتغطرسين.
أنا منفتح على الحوار مع أي سفير، اتفاقًا أو اختلافًا، لكن ليس من موقع التابع، ولا تحت لغة الإملاء، ولا بمنطق الاستعلاء.
من حقي أن أقيّم سياسات الدول، وأن أسمّي الأشياء بأسمائها، وأن أطرح الإيجابيات والسلبيات دون خوف أو مواربة.
أما الأخطاء الدبلوماسية، فإن كانت تصرفًا شخصيًا لا يعكس سياسة الدولة، فالمساءلة يجب أن تكون شخصية. لكن إذا كان الخطأ جزءًا من نهج سياسي ممنهج، فإن المسؤولية تقع على الدولة وسفيرها معًا، ولا يجوز الاحتماء بالحصانات لتبرير الانتهاكات.
وقد جمعتني علاقات مباشرة مع عدد من السفراء، في إطار من الزيارات المتبادلة والاحترام المتبادل، لكنني أضع حدًا لا يقبل الجدل:
السيادة الوطنية، والكرامة، والمصالح العليا للوطن خطوط حمراء، ومن يتجاوزها تُقطع معه العلاقات مهما كان موقعه أو اسمه.
في الخلاصة، هناك سفراء يصنعون احترامهم بأخلاقهم ومواقفهم، وهناك من يهدمونه بسلوكهم وخطابهم، مهما ارتفعت ألقابهم. فالاحترام في الدبلوماسية ليس طقسًا شكليًا، بل موقفًا أخلاقيًا، وخيارًا سياسيًا، وفاصلًا واضحًا بين الحوار الشريف والتواطؤ المرفوض








