الواسطة: الجريمة الصامتة بحق الدولة

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي

لم تعد البطالة قضية أرقام أو تقارير رسمية، بل تحوّلت إلى خطر اجتماعي حقيقي يهدد الاستقرار، ويضرب الثقة بين المواطن والدولة. ومع ذلك، ما زال صانع القرار يتعامل معها وكأنها مسألة هامشية، أو عبئًا يمكن تجاهله.

يُفاجأ الأردنيون يوميًا بتعيينات في مواقع سيادية وحساسة، لا تمر عبر منافسة شفافة ولا معايير واضحة، بل تُمنح لحديثي التخرج لأنهم أبناء متنفذين، لا لأنهم الأجدر أو الأكفأ.
في هذه المواقع، لا تُقاس الكفاءة بالإنجاز، بل بالاسم واللقب وصلات النفوذ.

نشأت فئة محدودة من أبناء الوزراء والأعيان وأصحاب القرار، احتكرت الفرص العامة، واستأثرت بالمناصب، وعاشت بمعزل تام عن واقع غالبية الشباب. هذه الفئة لم تعرف طوابير ديوان الخدمة، ولا مرارة الانتظار، ولا الإحباط الذي يرافق سنوات من التقديم بلا نتيجة.

في المقابل، تقف آلاف الأسر الأردنية في الجانب الآخر من المشهد.
أسر كبيرة، ستة أو سبعة أو تسعة أبناء وبنات، جميعهم من خريجي الجامعات، طرقوا الأبواب القانونية، وانتظروا سنوات، ولم يحصل أيٌّ منهم على فرصة عمل.

كيف تعيش هذه الأسر؟
كيف يُطلب منها الصبر والانتماء وهي عاجزة عن تأمين أبسط متطلبات الحياة؟
وكيف يُلام الشباب على الغضب أو اليأس وهم محرومون حتى من ثمن دواء أو لقمة كريمة؟

هؤلاء لم يُقصَوا لضعف قدراتهم، بل لأنهم خارج شبكة الواسطة.

المفارقة المؤلمة أن أبناء المتنفذين يتوزعون على الديوان، ورئاسة الوزراء، والوزارات السيادية، والمؤسسات المستقلة، وشركات كبرى تملك مقدرات وطنية، برواتب مرتفعة ومسارات وظيفية سريعة،
بينما يُترك أبناء الحراثين والمزارعين، وأبناء  من يحمون الحدود ويسهرون على أمن البلاد، بلا فرصة تحفظ كرامتهم وكرامة أسرهم.

العسكر يحمون الوطن،
والعامل والمزارع يطعم الوطن،
لكن أبناءهم يُقصَون عن الوطن نفسه، ويشاهدون ثرواته تُدار بعيدًا عنهم.

الاستمرار في هذا النهج ليس ظلمًا اجتماعيًا فقط، بل مخاطرة وطنية.
فالتهميش يولّد غضبًا، واليأس يفتح أبواب الانحراف، وغياب العدالة يدمّر الإيمان بالدولة ومؤسساتها.

الواسطة ليست سلوكًا فرديًا عابرًا،
إنها خلل بنيوي يضرب أسس الدولة، ويقوّض الثقة العامة، ويغتال مبدأ تكافؤ الفرص.

الدولة القوية لا تُبنى بالألقاب ولا بالوراثة الوظيفية،
بل بالكفاءة، والعدالة الاجتماعية، والإنصاف.
والوطن لا يُحمى بإقصاء أبنائه، بل بإشراكهم ومنحهم حقهم في العمل الكريم.

لم يطالب هؤلاء بمناصب عليا،
ولا برواتب استثنائية،
بل بفرصة عادلة تضمن لهم حياة كريمة، وقدرة على علاج طفل، أو إعالة أسرة دون مذلّة.

نريد وطنًا يشعر فيه ابن العامل،
وابن المزارع،
أن له مكانًا حقيقيًا في دولته.

لا نريد دولة تُورَّث فيها الوظائف كما تُورَّث الأملاك،
ولا نظامًا يكافئ النفوذ ويعاقب الاستحقاق.

تزهو بكم المناصب،
وتتعاظم بكم الكراسي،
لكن تذكّروا دائمًا:
نحن من صنعنا لكم الكرسي،
ونحن من جعلناكم تكبرون به.

فإما عدالة حقيقية تُنهي الواسطة،
أو ثمنٌ باهظ سيدفعه الوطن… جيلًا بعد جيل

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences