نيويورك بدل لاهاي: كيف تحوّل القضاء الأمريكي إلى أداة لمحاكمة سيادة الدول؟

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

بقلم: المحامي إسلام الحرحشي/ مدير مركز إحقاق للدراسات القانونية

 

في سابقة قانونية خطيرة، مَثل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أمام محكمة فيدرالية أمريكية في نيويورك، لا أمام محكمة دولية، ولا بموجب تفويض أممي، بل أمام قاضٍ وطني لدولة تُعد خصمًا سياسيًا مباشرًا.

الحدث، في جوهره، لا يتعلق بشخص مادورو بقدر ما يكشف عن تحوّل مقلق في مفهوم العدالة الدولية، حيث تُستبدل المحاكم الوطنية بالمحاكم الدولية، ويُستبدل منطق القوة بسيادة الدول.

 

محكمة نيويورك: عدالة أم ولاية عالمية؟

اختيار (محكمة المنطقة الجنوبية لنيويورك) لم يكن خيارًا إجرائيًا محايدًا، بل اختيارًا سياسيًا بامتياز، فهذه المحكمة، التي تُعرف في الأوساط القانونية الأمريكية بأنها الأكثر استخدامًا في القضايا العابرة للحدود، تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى منصة لمحاكمة:

– مسؤولين أجانب

– قادة سياسيين

– ملفات ذات طابع جيوسياسي واضح

وهنا يبرز السؤال الجوهري:

هل تملك محكمة وطنية، مهما بلغت قوتها، شرعية محاكمة رئيس دولة ذات سيادة؟

 

الاختصاص خارج الإقليم… حين يصبح الاستثناء قاعدة

تستند الولايات المتحدة في هذه القضية إلى مفهوم “الاختصاص خارج الإقليم”، بحجة أن أفعالًا مزعومة مست مصالحها.

لكن هذا المفهوم، كما يُطبّق اليوم، لا يمثل تطورًا قانونيًا، بل (انحرافًا خطيرًا) عن المبادئ المستقرة في القانون الدولي، وعلى رأسها:

– مبدأ الإقليمية

– مبدأ عدم التدخل

– احترام سيادة الدول

فإذا جاز لدولة أن تُحاكم رئيس دولة أخرى بدعوى “تأثير غير مباشر”، فإن النظام الدولي بأكمله يصبح بلا حدود قانونية واضحة.

 

لماذا ليس القضاء الدولي؟ سؤال يفضح التناقض

لو كانت الغاية تحقيق العدالة، لكان المسار الطبيعي هو (المحكمة الجنائية الدولية أو آلية قضائية دولية خاصة)، لكن الولايات المتحدة، ترفض أصلًا الخضوع للمحكمة الجنائية الدولية، وتعتبرها غير مختصة بمواطنيها، بينما لا تتردد في محاكمة غيرها أمام قضائها الوطني.

إن هذا التناقض يفرغ الخطاب الأمريكي حول “سيادة القانون الدولي” من مضمونه، ويحوّله إلى أداة انتقائية تُستخدم ضد الخصوم فقط.

 

محاكمة رئيس دولة أمام قاضٍ وطني: المشهد الأخطر

إن المشهد الذي يقف فيه رئيس دولة، أُحضر قسرًا، أمام قاضٍ تابع لدولة خصم، ليس مشهدًا قضائيًا محضًا، بل رسالة سياسية واضحة:

(القوة تسبق القانون، والقضاء يُستخدم لتكريسها).

وهنا لا يعود الحديث عن ذنب أو براءة، بل عن (تقويض مبدأ الحصانة السيادية)، الذي يشكّل حجر الأساس في العلاقات الدولية.

 

سابقة تهدد ما تبقى من القانون الدولي

الخطورة لا تكمن في هذه القضية وحدها، بل في ما تؤسس له، اليوم مادورو، غدًا أي رئيس دولة خارج الاصطفاف الأمريكي، وبالتالي نحن أمام انتقال فعلي من (نظام قانون دولي قائم على السيادة) إلى (نظام تُمارَس فيه الولاية القضائية بقدر النفوذ السياسي).

 

حين تُختزل العدالة في ميزان القوة

وفي الختام، لابد أن نؤكد أن هذه المحاكمة لا يمكن أن تكون انتصارًا للعدالة، بل (انتصار لمنطق القوة بغطاء قانوني)، حينها تُستبدل نيويورك بلاهاي، وتُستبدل المحكمة الوطنية بالشرعية الدولية، وبالتالي، فإن الخاسر الحقيقي ليس شخصًا أو نظامًا، بل (فكرة القانون الدولي ذاتها)، وحينها تصبح العدالة انتقائية، ويصبح القضاء سلاحًا، وتغدو السيادة تهمة.

 

 مركز إحقاق للدرسات القانونية

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences