ما بعد النجاة… حين تتكفّل الحرب بالباقي
محمد النجار
لا يكفي أن تنجو من الصواريخ، فآثار الحرب ستتكفّل بك لاحقًا. كأن النجاة نفسها مؤجَّلة، أو مشروطة بموتٍ آخر، أبطأ وأقسى، لا يُرى بالعين لكنه يستقر في الأعصاب والذاكرة. في الحروب، لا يكون النجاة نهاية الخطر، بل انتقاله من السماء إلى الداخل، من الانفجار إلى الصمت الثقيل الذي يعقبه. بهذه العبارة يمكن توصيف ما يجري في قطاع غزة المدمَّر؛ مدينةٌ تبدو خاوية على عروشها، لا بفعل الركام وحده، بل بما خلّفه الخراب في النفوس قبل الحجر، وبما كُسر في الإحساس بالحياة ومعناها.
غزة اليوم ليست مجرد مساحة جغرافية منكوبة، بل حالة إنسانية معلّقة بين الحياة والموت. هناك، لا تُقاس الخسارة بعدد الشهداء وحدهم، بل بعدد الأحلام التي لم تجد وقتًا لتكبر، وبالأيام التي تحوّلت إلى انتظار طويل بلا أفق. الدمار هنا ليس مشهدًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل واقعٌ يوميّ يعاد إنتاجه في الخوف، في الجوع، في نظرات الأطفال التي كبرت أسرع مما ينبغي.
وما يضاعف الفاجعة ذلك السؤال الثقيل الذي يفرض نفسه بلا استئذان: هل كانت شعوبنا تنتظر فقط توقف نزيف الدم وتوقيع هدنةٍ ما، لتتنفّس الصعداء ثم تدير ظهرها لما يحدث في القطاع؟ أم أنّ القلوب أنهكها الألم، واستنزفها الفقد المتكرر، حتى بات العجز لغةً مشتركة، وصار الصمت شكلًا من أشكال الدفاع عن النفس؟ أكاد أسمع صدى محمود درويش يتردّد: «يا أشياء كوني مبهمة، فقد أفلست الحواس»، وكأن الكلمات نفسها خانتها قدرتها على حمل هذا الكم من الوجع، وكأن الوضوح بات عبئًا لا يُحتمل.
أدرك تمامًا أن المشهد معقّد، وأن ما حدث لا يمكن ترميمه بيومٍ أو ليلة. فالجراح العميقة لا تلتئم بالتصريحات، ولا تُشفى بتبدّل العناوين، ولا تُعالج بوعودٍ مؤجلة. ما تهدّم في غزة ليس بيوتًا فقط، بل ثقة الإنسان بالعالم من حوله، وإحساسه بأن هناك حدًّا أدنى من العدالة يمكن الركون إليه. في هذه الأيام، تهرب الناس من العاصفة الثلجية إلى بيوتها اتّقاءً للبرد، بينما يواجه أهل القطاع عاصفةً من نوعٍ آخر؛ عاصفة القهر، والخوف، والجوع، والفقد المتراكم، حيث لا جدران تحمي، ولا دفء يكتمل، ولا ليل يمرّ بلا كوابيس.
وهنا يبرز السؤال الجدلي المؤلم: ماذا بوسعنا أن نفعل؟ سؤالٌ قد يبدو بسيطًا في صيغته، لكنه ثقيل في جوهره، لأنه يكشف هشاشتنا أكثر مما يطلب إجابة. نقف أمامه غالبًا بارتباك، نجرّب الكلمات ثم نتراجع عنها، نلوذ بالدعاء حينًا، وبالصمت حينًا آخر. وأعترف أنني أقف أمامه عاجزًا، لا أملك إجابةً شافية، لكن هذا العجز نفسه ليس مبررًا للنسيان. فهذه العاصفة، بكل قسوتها، أيقظت في داخلي ألمًا لم ينقطع منذ اندلاع هذه الحرب الشعواء، ألمًا يرفض الاعتياد، ويأبى أن يتحوّل إلى خبرٍ عادي أو رقمٍ في الإحصاءات.
في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة وتغيب فيه الإجابات، يبقى الإيمان بأن الظلم لا يدوم، وأن الله غالبٌ على أمره، ولو كره المشركون. قد نعجز عن الفعل المباشر، لكننا لا نملك حق العجز عن الوعي، ولا عن حفظ الذاكرة حيّة. فذاكرة الشعوب هي آخر ما يسقط حين تُهدم المدن، وهي السلاح الأخير في وجه محاولات التطبيع مع الألم، والاعتياد على المأساة.








