"صاحبة الدين: حجر الزاوية في بناء الأمم".

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

بقلم : فتحي صالح

ما الذي يبني عظائم الرجال؟ أمِن حديدٍ تُشيد الشخصيات، أم من نورٍ تغذِيها الأفئدة؟ لقد حفظ التاريخ أسماء قممٍ شامخة، لكنه أحياناً يغفل عن ذِكر الأرض الصلبة التي انبثقت منها تلك القمم ... إن سر العظمة لا يكمن فقط في البطل الذي يقف في واجهة الأحداث، بل في الحُضن الذي نما فيه، والروح التي غذت جذوره قبل أن تعلو فروعه ... إنه سِرُ الأمهات الصالحات، وصاحبات الدين، أولئك اللواتي يصنعن من أطفالهن صلحاء مصلحين، ويخرِجن من بيوتهن أعمدة ترفع صروح الأمم ...

فصول من سجل التاريخ:
تأمل معي تلك المشاهد الخالدة، التي تختزل حكمة الزمان في كيفية صناعة الرجال:

في وادٍ غير ذي زرع، حيث يغادر زوجٌ زوجته وطفلها الرضيع، تنطلق كلمات الثقة من فم هاجر: "أالله أمرك بهذا؟ إذن لن يضيعنا لأنه رحيم كريم".

من هذا الإيمان المطلق، من هذا التسليم اليقيني، نشأ إسماعيل الذي سيقول لأبيه إبراهيم -عليهما السلام-: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}. لقد تعلم الصبر من مدرسة الإيمان الأولى، من حِجر أمّه التي رأت في الأمر الإلهي رحمة قبل أن تراه اختباراً.

وعلى ضفاف النيل، حيث يجري قدرٌ عظيم، تُلقِي أم موسى بفلذة كبدها في اليمِّ، لا يأساً من الحياة ولكن ثقةً بوعد إلهي: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}. من هذا الحضن الذي امتلأ يقيناً، خرج موسى -عليه السلام- الذي سيهتف في وجه الطغيان: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}. لقد كان هِتافته صدى لإيمانٍ زرعته أمه في أعماق روحه قبل أن يلفظ أول كلمة ...

وفي محراب العبادة، حيث تنقطع مريم -عليها السلام- للخالق، تتربّى على الطهارة والعبادة؛ من هذا المحراب الطاهر، ومن هذه النفس المخلصة، يخرج عيسى -عليه السلام- متأدباً مع ربه، قائلاً: {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}. إنه أدبُ التربية الإيمانية، وثمرةُ القلب الذي نشأ على مراقبة الله.

ثم يأتي المشهد المهيب، حيث القلب البشري يلتقي بالنور الإلهي لأول مرة في غار حراء، فيعود النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى داره يقول لزوجته: "لقد خشيتُ على نفسي". ها هنا، في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ البشرية، حيث يتزلزل أعظم قلب، يقوم دور المرأة التي كانت الحاضنة الأولى؛ إنها خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- التي لم تكن زوجةً فحسب، بل كانت الملاذ الأول، والسند الأوثق، التي عاصرت أعظم حدث.

لقد استمعت إليه بقلبها قبل أذنيها، ثم نطقت بكلمات صارت دستوراً للثبات، وعَلماً للتزكية، وبرهاناً على حكمة الله في اصطفائه؛ قالت: "أبشِر، فوالله لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق".

إنها بذلك لم تكن تطمئن زوجها فقط، بل كانت تُعلِم الدنيا منهجاً في فهم الاصطفاء الإلهي: يصطفي -سبحانه- من اكتمل في مروءته الأرضية، ليكون أهلاً للرسالة السماوية. فأي كرمٍ هذا، أن يجعل الله أول صوت بشري يؤازر خاتم الأنبياء صوت امرأة؟ وأي عظمةٍ هذه، أن تكون أول حصن يلوذ به الداعي إلى الله هو حِجر زوجته؟

مدرستان لصناعة العظماء - الشدائد واليقين:
وتمضي سلسلة العظماء عبر العصور، فتتعدد مناهج التربية وتتفق في الغاية: صناعة الإنسان المؤمن الباني للحضارة.

فالحكمة الإلهية في صناعة الرجال لا تحصر نفسها في قالبٍ واحد، فكما تُستخرج الجواهر من أعماق الأرض، يُستخرج الأبطال من أعماق التجارب. وقد كُتب لشخصيتين من أعمدة الأمة أن تتخرجا من مدرستين عظيمتين تختلفان في أدواتهما، وتتفقان في غايتهما: مدرسة الشدائد، ومدرسة اليقين.

فأما الظاهر بيبرس، فقد ربَّته الأقدار القاسية، وصنعته مِحن الحياة بأيديها الخشنة ... من سهول القبجاق إلى أسواق الرق، ثم إلى معسكرات المماليك، حيث كانت الدولة له أماً وأباً، والمعركة له مدرسة وجامعة، والسلاح له قلمًا وديدنًا. فتشكلت شخصيته كالصخر الأصم، لا تلين له قناة ...

ومن هذه التربية الصلبة، خرج الفارس الذي استقبل جحافل التتار في عين جالوت، فحطم أسطورتهم، وأعاد للأمة روحها.

وأما ابن تيمية، فقد كان -رحمه الله- ثمرة شجرة علمية عريقة؛ نشأ في بيتٍ كان الكتاب فيه جليساً، والعلم فيه أنيساً ... كانت مكتبة والده هي ملعبه، وحلقات العلماء مدرسته الأولى. فنشأ على المنهج النقي، منهج السابقين الأولين، فتشبعت روحه بالتوحيد الخالص، وتشكل وعيه على نبذ البدع؛ فخرج للناس عالماً مجاهداً بلسانه وقلمه وسيفه، يقارع المغول التتار بسيفه، وأصحاب البدع والأهواء ببرهان أوضح من شمس النهار.

التربية جوهرة واحدة وإن تعددت الأطر؛ فالعبرة في طهارة المنبع وقوة التأثير ... سواء كان المنبع قلب أمٍ تقية، أو منهج أسرةٍ عالمة، أو نظام دولةٍ راعية؛ المهم أن تكون التربية مبنية على أصلٍ سليم، يُخرِج للعالم رجلاً يعرف ربه، ويعرف رسالته.

من هنا تتجلى قيمة "صاحبة الدين"؛ فهي ليست زوجة فقط، بل شريكة في بناء العمران ... الفتاة الجديرة بالزواج ليست مجرد رفيقة درب، بل هي حجر الأساس في صرح الأسرة، وبانية الأجيال ... هي التي تغرس في الصغار معنى "لا إله إلا الله" قبل أن ينطقوها، وتعلمهم التسليم لله قبل أن يواجهوا الحياة ... هي التي تصنع من البيت مدرسةً للإيمان، وموئلاً للأخلاق، وصرحاً للعطاء.

خاتمة - الاختيار الذي يصنع المستقبل:
عندما تختار شريكة الحياة، فأنت لا تختار لمجرد الحاضر، بل تختار لمستقبل أبنائك وأحفادك ... تختار لمن سيرثون الأرض ويعمروها، تختار المعلمة الأولى، والمربية التي ستغرس في النفوس بذور الخير أو الشر ...

فليكن الاختيار اختياراً لإيمانٍ راسخ، وخلقٍ قويم، وقلبٍ عامرٍ بحب الله؛ لأن من رحم الإيمان يلد العظماء، ومن حِجر التقوى تُربى القيادات، ومن مدرسة الأم الصالحة يخرج من يقول للدنيا بأسرها: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}.

هذه هي الصاحبة حقاً، التي تزين الحياة، وتُبارك في الزوج والذرية، وتكون عوناً على متاعب الدنيا، وذخراً للآخرة ... فاحرص -أيها العاقل- على هذا الذخر، فهو أغنى غِنى، وأقوى مُعين، وأبقى كنز

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences