على مفترق الأزمات: الجرأة أو الانكسار

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

 

 بقلم: عوني الرجوب

باحث وكاتب سياسي

 

في هذه اللحظة التاريخية التي يمر بها العالم، لا يمكن لأي مراقب أن ينكر أن المشهد الدولي أصبح أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أي وقت مضى، وأن الأحداث تتلاحق بوتيرة غير مسبوقة، تجعل من التأخر في اتخاذ القرار خطيئة كبرى، ومن التردد خطرًا يهدد استقرار الشعوب والأمم على حد سواء. فالتوترات الإقليمية المستمرة، والأزمات الاقتصادية التي تهز البنية التحتية للدول، والصراعات على النفوذ، وموجات التغير المناخي التي تتسارع بلا رادع، كلها عوامل تجعل من القدرة على اتخاذ القرار الصائب مهارة وطنية وعقلية لا غنى عنها، وكل لحظة ضائعة هنا تساوي خسارة مضاعفة لا يمكن تعويضها في المستقبل القريب.

السياسة اليوم ليست فن الكلام، وليست مجرد شعارات تزيّن الشاشات أو تتداول على منصات التواصل، بل هي فن اتخاذ القرارات الاستراتيجية في الوقت المناسب، وتحويل الأزمات إلى فرص، وإدارة المخاطر بحكمة وبصيرة واضحة، مع القدرة على قراءة الواقع بدون أقنعة أو أوهام، لأن أي محاولة لإخفاء الحقائق أو تقديمها بطريقة خادعة لن تنفع، وسيكون الثمن دائمًا باهظًا على المواطنين والأجيال القادمة. السياسة الحقيقية هي القدرة على تحويل الفعل إلى أثر ملموس، وعلى ترجمة الرؤية إلى واقع، وعلى أن تكون كل خطوة محسوبة بدقة لتصنع فرقًا واضحًا بين النجاح والفشل، بين القوة والضعف، بين البقاء والانهيار.

القائد الحقيقي اليوم هو من يضع الواقع أمام عينيه بلا تهويل ولا تزييف، يقرأ المخاطر بعمق، ويستشعر الفرص قبل أن يراها الآخرون، ويتخذ القرار الجريء الذي يوازن بين المصالح الاستراتيجية، والقدرة على الصمود، والمسؤولية الوطنية التي لا تحتمل الخطأ. فالاعتماد على الذات أصبح ضرورة حتمية، والعمل المتواصل بلا توقف أصبح شرطًا للنجاح، والخبرة الواقعية أصبحت المعيار الذي يميز بين من يقود المستقبل ومن يتركه يُصنع أمامه بلا أي تأثير يُذكر.

إن العالم اليوم يتحرك بوتيرة لم يشهدها التاريخ من قبل، والتحديات تتقاطع بين السياسة الدولية، والتكنولوجيا الحديثة، والأزمات البيئية، والتوترات الاجتماعية والاقتصادية، لتجعل من كل يوم اختبارًا جديدًا لقدرة الأمة على الصمود، ومن كل قرار سياسي أو اقتصادي فرصة لا تُعوّض أو فخًا يمكن أن يطيح بالمكتسبات كلها. ففي هذا الواقع، كل تأجيل أو تردد أو محاولة لإرضاء الجميع تصبح خسارة مزدوجة، بينما كل خطوة جريئة، وكل قرار صائب، وكل فعل مسؤول يمثل استثمارًا مباشرًا في المستقبل، ويؤكد قدرة الأمة على مواجهة المخاطر وتحويل الفوضى إلى استراتيجية واضحة وفعالة.

إن المسؤولية اليوم ليست على القادة فقط، بل على كل من يسمع ويرى، على كل مواطن يدرك أن الخطر ليس بعيدًا، وأن الفرص لا تنتظر أحدًا، وأن قوة الأمة لا تُقاس بالكلام ولا بالوعود، بل بالفعل والالتزام، بالوعي والاستراتيجية، بالشجاعة والانضباط، وبالقدرة على ترجمة التحليل إلى قرارات تؤثر في الواقع بشكل مباشر. كل لحظة صمت أو ضياع قرار تُسجل كخسارة جديدة، وكل خطوة جريئة تُسجل كاستثمار في الأمن والاستقرار والكرامة الوطنية.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أصبح واضحًا أن النجاح في السياسة لا يُقاس بالظهور الإعلامي أو الإعلانات الرنانة، بل بقدرة الشخص أو القيادة على قراءة الواقع بدقة، واستخدام كل الموارد المتاحة بحكمة، وإدارة الأزمات قبل أن تتفاقم، وتحويل كل تهديد إلى فرصة، وكل أزمة إلى قاعدة لبناء القوة والتقدم. السياسة الحقيقية هي فن الاستشراف والتخطيط والتطبيق، وهي القدرة على التوازن بين الرؤية بعيدة المدى والفعل اليومي الفوري، بين المصالح الوطنية والمخاطر الدولية، بين الطموح الواقعي والقدرة على التنفيذ الفعلي.

الخلاصة النهائية: العالم اليوم لا يمنح مجالًا للكسل أو التردد؛ كل لحظة ضياع قرار، وكل تأخير في اتخاذ الإجراءات الصائبة، تُسجل كخسارة لا تُعوّض، وكل خطوة جريئة، وكل قرار وطني صائب، وكل تحليل دقيق، وكل فعل مسؤول، يُسجل كقوة، كاستثمار، وكضمانة لمستقبل الأمة، ويؤكد أن السياسة الحقيقية ليست مجرد كلام، بل إرادة، وعزم، ووعي، وفعل يُحوّل الرؤية إلى واقع ملموس يُحمي المصالح ويصنع الفرص ويثبت قدرة الأمة على الصمود والانتصار

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences