الاستثمار العربي بين الشتات والضياع ويختلف من دكان لدكان

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي

عندما تغادر أرض وطنك إلى أي وجهة عربية، لا تستغرب من الإجراءات الأمنية، ولا تتفاجأ من تعقيدات الاستثمار، ولا تندهش حين تكتشف أن استثماراتك ستُسجَّل باسم مواطن من نفس الدولة تحت مسمى “الكفيل”. فالكفيل، بحسب القانون، هو صاحب المشروع في الأوراق، أما أنت فلك من تعبك بقدر ما يسمح ضميره، وقد ينقلب عليك في أي لحظة لأنه المالك رسميًا.

من لحظة هبوط الطائرة تبدأ الحكاية؛ ترى التنظيم وجمال الطبيعة والعمران وسهولة الإجراءات، فتقول في نفسك إن الفرصة هنا وإن المستقبل بدأ. لكن بعد الدخول إلى دهاليز الاستثمار، تعرف الحقيقة المؤلمة، وهي أن الفرص ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه، وأن الطريق لا يُفتح بالكفاءة وحدها.

أخطر ما في التجربة ليس السوق ولا الخسارة، بل دور الكفيل حين يتحول من إجراء قانوني إلى سلطة مطلقة. فأنت تدفع رأس المال، وتتحمل المخاطرة، وتسهر على المشروع، لكن في الأوراق هو المالك وأنت مجرد مدير عنده. بجرة قلم يصبح تعبك ملكًا لغيرك، وتجد نفسك موظفًا في مشروع موّلته من عرقك. إن صلح ضمير الكفيل صلحت الأمور، وإن فسدت تربيته ضاع جهدك؛ يحاصرك بالقرارات، يضيّق عليك في الصلاحيات، يتحكم بالحسابات، ويذكّرك دائمًا أن الاسم اسمه والرخصة باسمه. وإذا تبدّل المزاج، قد يُخرجك من الباب الذي أدخلت منه رزقك، وكأنك طارئ على حلمك لا صاحبه. هنا تنقلب المعادلة؛ من يملك المال والخبرة لا يملك القرار، ومن لا يغامر بماله يملك التوقيع الذي ينهي كل شيء. صرت تزرع بمالك وتحصد بإذن غيرك.

تريد الاستثمار في التمور أو الأدوية أو الجلود أو الخدمات أو الرياضة، فتكتشف أن الأبواب ليست سواء، وأن بعض القطاعات لها مفاتيح غير معلنة. أما المسموح لك، في كثير من الأحيان، فهو دكان صغير في حارات تمثل بيئة البسطاء؛ كالصعيد، أو الصريح شمال الأردن، أو الطفيلة جنوبًا، أو أطراف عمّان، أو أطراف مسقط، أو قرى جنوب السودان، والمقصود هنا صورة المكان البسيط لا الجغرافيا بعينها.

دكان لا يتجاوز رأس ماله خمسمائة دينار أو دولار أو جنيه أو ريال، تبيع فيه خيطان اللحف ونكاشات البوابير وفتائل صوبات الكاز وعلكة البطم والكعكيان ( الchع ch بان )وبعض الخردة من حاويات القمامه و قد يطاردك موظف البلديه على هذه الفعل
، ومع ذلك لا تسلم من الضريبة ولا من الجباية ولا من السؤال الجاهز: من أين لك هذا؟

في المقابل، من يستثمر بالملايين المجهولة المصدر تُفتح له الأبواب وتُفرش له السجادة، فيبقى الفقير فقيرًا ويزداد الغني غنىً على ظهر الغلبان. المشكلة ليست في القوانين بحد ذاتها، بل في طريقة تطبيقها؛ فالصغير يُحاسَب على الفلس، بينما الكبير ينجو من العاصفة.

الغريب أن العربي قد يشعر بالغربة بماله بين إخوته أكثر مما يشعر بها عند الأجانب. إما أن يقبل بشروط الكفيل، أو يعود ليبحث عن رزق بسيط، يصنع مزامير من عيدان القصيب كالمجوز واليرغول ويبيعها، كمن يبيع الماء في حارات السقايين.

هذه ليست مبالغة أدبية، بل واقع يتكرر على ألسنة مستثمرين عرب تفرّقوا بين المطارات وضاعوا بين الكفلاء، وتعلموا أن المال العربي أحيانًا لا يجد أمانًا في الوطن العربي نفسه.

وهنا يقول الفلاح كلمته التي لا تخطئ:
الأرض التي لا تحفظ تعبك لا تزرعها،
والظل الذي لا يحميك لا تجلس تحته،
والوعد الذي لا سند له هو كما قال الفرزدق:

زعم الفرزدقُ أن سيقتلُ مربعًا
أبشر بطول سلامةٍ يا مربعُ.

أي أن الكلام كثير، والتهديد سهل، لكن الحقيقة أن من لا يملك الفعل يكثر من القول.
وهكذا حال الاستثمار حين يغيب العدل؛ ضجيج ووعود، أما الأمان فغائب

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences