تتداخل الحكايات والازقة الحجرية في قلب البلدة القديمة بالقدس لتشكل شاهدا حيا على قرن من التحولات التي حاولت تغيير رواية المكان بدلا من ملامحه الطبيعية. وتكشف الجولات الميدانية في أزقة المدينة أن القصة لا تكمن في خرائط حديثة مفروضة بقدر ما تتجلى في وجوه السكان واصواتهم التي ترفض القوالب الدخيلة. واكد السكان المحليون أن تقسيم الاحياء وفق التصنيفات الدينية الحالية لم يكن موجودا قبل عقود طويلة اذ كان التداخل هو السمة الغالبة بين كافة المكونات الاجتماعية للمدينة.
تزييف التاريخ عبر الجغرافيا
وبينت تقارير ميدانية أن فكرة تقسيم احياء البلدة القديمة هي ممارسة مستحدثة استلهمت من انظمة الغيتو الاوروبية لخدمة سياسات فرق تسد التي اعتمدتها قوى الانتداب والاحتلال المتعاقبة. واوضحت المعطيات أن التداخل العمراني بين المساجد والكنائس يثبت استحالة الفصل بين النسيج الاجتماعي للمقدسيين. واضافت أن ما يعرف اليوم بحارة اليهود لم تكن تشكل سوى نسبة ضئيلة من مساحة حارة الشرف قبل عام 1948 حيث استندت السيطرة اللاحقة إلى عمليات هدم ممنهجة وتغيير ديموغرافي قسري طال املاك المسلمين التاريخية.
صراع البقاء والشرعية
واكدت الشهادات الحية أن المسجد العمري يقف اليوم كشاهد اخير على هوية حارة الشرف التي تم استبدالها قسرا بمعالم يهودية. وشدد خبراء قانونيون على أن الصراع يتجاوز حدود العقارات ليصل إلى معارك قانونية معقدة حيث تحاول الجمعيات الاستيطانية فرض واقع جديد عبر بند منع غير اليهود من السكن في مناطق معينة تحت ذريعة التعايش. وكشف المحامي محمد دحلة أن هذه البؤر الاستيطانية تعاني من عزلة تامة وتتطلب حراسة امنية مشددة على مدار الساعة مما يجعلها عبئا اقتصاديا على دافعي الضرائب والجمعيات نفسها.
حرب الرموز والمطلات
واظهرت الدراسات أن المشروع الاستيطاني فشل في تحويل الاحياء إلى مناطق جذب للسكان الاسرائيليين حيث تظل المباني في معظمها مدارس دينية او املاكا لاثرياء غائبين. واضاف الباحث نظمي الجعبة أن نسبة املاك اليهود الموثقة تاريخيا لا تتجاوز 2% من عقارات البلدة القديمة مما يدفع الاحتلال لاستخدام وثائق قديمة ومحاكمات طويلة للالتفاف على الواقع التاريخي. وبينت المتابعات أن السكان يواجهون اغراءات مالية ضخمة تصل لعشرات الملايين من الدولارات مقابل بيع عقاراتهم لكنهم يقابلون ذلك بالرفض القاطع مؤكدين انهم مجرد حراس للامانة.
القدس ترفض التغيير
واشار المراقبون إلى أن حرب المطلات تعد وجها اخر لمحاولات طمس الهوية عبر بناء قباب يهودية بارزة بالقرب من قبة الصخرة في محاولة لاعادة تشكيل المشهد البصري للمدينة. واكد الاهالي ان علاقتهم بالارض اقوى من كل المحاولات الاستعمارية حيث يفضل المقدسي العيش في اضيق الاماكن داخل البلدة القديمة على الرحيل عنها. واضافت الروايات ان كل زقاق في المدينة لا يزال ينطق بالهوية العربية الاسلامية رغم كل محاولات التزييف والرموز المفتعلة التي يفرضها الاحتلال في الحيز العام.
