تشهد الضفة الغربية تصعيدا عسكريا اسرائيليا غير مسبوق يستهدف العمق الفلسطيني في مخيمات قلنديا وكفر عقب وبلدة الرام شمال القدس وسط عمليات اعتقال واسعة وتحويل المنازل الى ثكنات عسكرية. وتترافق هذه الحملة مع اعتداءات منظمة يشنها المستوطنون بالرصاص الحي في مناطق جبل هراشة وبيت ساحور مما يثير مخاوف حقيقية حول مصير حل الدولتين في ظل واقع ميداني يزداد تعقيدا. واكد خبراء ان هذه الممارسات لم تعد مجرد عمليات روتينية بل هي جزء من استراتيجية استيطانية توسعية تهدف الى السيطرة على مساحات شاسعة من اراضي الضفة الغربية بالقوة والتهجير القسري.

وبين الامين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي ان ما يجري على الارض هو حالة استباحة شاملة تصاعدت حدتها منذ اكتوبر الماضي. واوضح ان الاحتلال نجح في الاستيلاء على نسبة كبيرة من الاراضي الفلسطينية عبر سياسات الاقتطاع الممنهج والسرقة العلنية التي تهدف الى تقطيع اوصال المدن والقرى الفلسطينية ومنع اي تواصل جغرافي مستقبلي. واضاف ان هذه السياسة تعكس رغبة اسرائيلية في فرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد يجعل من اقامة دولة فلسطينية امرا مستحيلا على ارض الواقع.

استراتيجية التطهير العرقي والقبضة الامنية

واظهر الاكاديمي المتخصص في الشؤون الاسرائيلية مهند مصطفى ان السياسة الاسرائيلية الحالية ترتكز على ثلاث طبقات اساسية تتمثل في القبضة الامنية القمعية واستهداف المخيمات الفلسطينية في الشمال والجنوب بالاضافة الى توسيع حدود القدس المحتلة عبر عمليات الهدم الممنهج للمنازل. وشدد على ان الهدف النهائي لهذه التحركات هو تنفيذ عملية ضم زاحف تستند الى تشريعات عنصرية تضمن السيطرة المطلقة على الارض وتفرغ المناطق من سكانها الاصليين. واكد ان ما يحدث في مخيمات طولكرم وجنين ونور شمس يشبه الى حد كبير عمليات التطهير العرقي التي شهدتها البلاد في عام 1948 حيث يتم تدمير البنية التحتية والمنازل لمنع الاهالي من العودة تحت تهديد السلاح.

واشار البرغوثي الى ان الفلسطينيين رغم الظروف الاقتصادية الخانقة ومعدلات البطالة المرتفعة لا يزالون يرفضون مخططات الرحيل القسري ويصرون على البقاء في ارضهم رغم قسوة الظروف. واوضح ان المجتمع الدولي يراقب هذه الممارسات التي تقوض اسس السلام دون اتخاذ خطوات حقيقية لوقفها. واضاف ان هناك تحولا طفيفا في مواقف بعض الدول الاوروبية مثل اسبانيا وايرلندا وسلوفينيا التي طالبت بمراجعة اتفاقيات الشراكة مع اسرائيل لكن هذا التحرك لا يزال يصطدم بمعارضة من قوى دولية اخرى مثل المانيا وايطاليا.

مستقبل حل الدولتين والموقف الدولي

وبين مصطفى ان الموقف الاسرائيلي الداخلي يشهد تراجعا كبيرا في تأييد حل الدولتين حيث انخفضت نسب القبول الشعبي له بشكل ملحوظ خلال العقدين الاخيرين. واوضح ان اليمين الاسرائيلي يستغل الضغوط الدولية لتقديم نفسه كحامٍ للمشروع الاستيطاني امام الجمهور المحلي. واكد ان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا يكترث بالانتقادات الدولية بقدر اهتمامه بالتحولات السياسية في واشنطن وتحديدا في ظل الادارة الامريكية الحالية. واضاف ان الحل العملي لم يعد ممكنا في ظل وجود اكثر من 800 الف مستوطن واكثر من 400 بؤرة استيطانية تقطع اوصال الضفة الغربية بشكل كامل.

وختم البرغوثي بالتأكيد على ان البديل الواقعي اليوم هو الانتقال نحو المطالبة بدولة واحدة ديمقراطية يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات مع ضمان حق عودة اللاجئين. وشدد على ان المطلوب فلسطينيا هو تعزيز صمود الشعب وتوحيد الصفوف لمواجهة المخططات الاسرائيلية. واكد ان المجتمع الدولي مطالب بتجاوز لغة الادانة والانتقال الى فرض عقوبات فعلية ومقاطعة شاملة على اسرائيل لاجبارها على وقف سياسات الضم والتوسع التي تنهي اي فرصة لتحقيق الاستقرار العادل في المنطقة.