لا يزال المشهد في قطاع غزة يراوح مكانه بين استمرار العمليات العسكرية وبين اتفاق وقف اطلاق النار الذي لم يوقف نزيف الدم بشكل كامل. حيث يواصل الجيش الاسرائيلي استهداف القطاع جوا وبرا بشكل شبه يومي مع توسيع ما يعرف بالخط الاصفر الذي يقطع اوصال الاراضي الفلسطينية ويحكم السيطرة العسكرية عليها. واكدت التقارير الميدانية ان الاوضاع الانسانية والمعيشية تزداد سوءا في ظل مماطلة واضحة في تنفيذ التزامات الاتفاق الذي كان من المفترض ان ينهي معاناة السكان. واضاف مراقبون ان الحرب في غزة لم تتوقف فعليا بل انتقلت الى طور جديد يتسم بتغيير الاهداف والوسائل المتبعة لفرض واقع جديد على الارض.

وكشفت بيانات وزارة الصحة في غزة ان حصيلة الضحايا ارتفعت بشكل ملحوظ منذ بدء سريان الاتفاق. مما يعكس استمرار السياسات العدائية التي تتناقض مع الوعود الدولية بالانفراجة الانسانية. واوضح فلسطينيون ان ما يحدث هو سياسة ممنهجة لهندسة الحصار بدلا من رفعه. حيث يتم التلاعب باحتياجات الناس الاساسية لتحويل القطاع الى منطقة تعاني من شلل تام في كافة الخدمات الحيوية.

وبين حسن ابو ريالة وكيل وزارة الاقتصاد ان اسرائيل تستخدم الحصار كاداة عقاب جماعي عبر التحكم الكامل في دخول السلع والمواد الاساسية. واضاف ان تكريس الاحتكار وحصر دخول البضائع على تجار محدودين ادى الى ارتفاع فاحش في الاسعار. موضحا ان هذا الواقع الاقتصادي المشوه يهدف الى تعميق الازمات الانسانية وجعل الحياة في القطاع مستحيلة.

استراتيجية تقويض الاستقرار

واشار المسؤولون الحكوميون الى ان اسرائيل تتعمد تعطيل البنية التحتية ومنع دخول معدات الايواء والوقود والمستلزمات الطبية. واكد المكتب الاعلامي الحكومي ان هناك اخلالا واضحا بالالتزامات الانسانية التي نص عليها الاتفاق. واضاف ان تعطيل معبر رفح ومنع ادخال المعدات اللازمة لازالة الانقاض يثبت ان الهدف هو ابقاء القطاع في حالة من الانهيار المستمر.

وكشفت التطورات الميدانية ان الجيش الاسرائيلي كثف من استهدافه لاجهزة الشرطة في محاولة لضرب منظومة الامن الداخلي. وشدد محللون سياسيون على ان هذه الضربات تهدف الى خلق حالة من الفوضى وتفكيك النسيج الاجتماعي. واضاف احمد الطناني ان اسرائيل تسعى لجعل البيئة غير صالحة للعيش لدفع السكان نحو النزوح القسري.

واظهرت الخرائط الميدانية توسع السيطرة الاسرائيلية لتشمل نحو ستين بالمئة من مساحة القطاع عبر الخط الاصفر. واوضح خبراء ان هذا الخط تحول من مجرد حاجز افتراضي الى حزام عسكري يفصل بين المناطق ويقيد حرية الحركة بشكل كامل. واكدت التحركات ان اسرائيل لا تنوي الانسحاب بل تعمل على تثبيت احتلالها لاراضٍ جديدة.

لجنة التكنوقراط والرهانات السياسية

ووجد الفلسطينيون انفسهم امام لجنة وطنية لادارة غزة معطلة بفعل المنع الاسرائيلي. واوضح اياد القرا ان اسرائيل عزلت هذه اللجنة لمنعها من العمل على الارض والحيلولة دون عودة الحياة المدنية. واضاف ان الهدف من ذلك هو الحفاظ على الوضع الراهن الذي يضمن استمرار السيطرة العسكرية دون تدخل اي جهة فلسطينية.

واكد مهند مصطفى ان منع دخول لجنة التكنوقراط يندرج ضمن استراتيجية اوسع لفرض احتلال طويل الامد. واضاف ان الاعتماد على ميليشيات محلية في بعض المناطق اصبح جزءا من ادوات التحكم الامني. موضحا ان هذه المجموعات توظف للقيام بعمليات رصد واغتيالات بهدف زعزعة الاستقرار النفسي للسكان.

وبين رامي خريس ان الخط الاصفر اصبح منطقة وسيطة لادارة المجال الامني عن بعد. واضاف ان الاحتلال يختبر انماط سيطرة جديدة تعتمد على الغطاء الناري بدلا من التواجد الدائم. واكد ان هذه السياسات تعكس رغبة اسرائيل في تحويل القطاع الى ساحة صراع مستدام تدار فيها الحياة اليومية كاداة للضغط السياسي.

نزع السلاح والمظلة الامريكية

وربطت اسرائيل المرحلة الثانية من الاتفاق بنزع سلاح المقاومة. واوضح عادل شديد ان هذا المطلب ليس امنيا بل سياسيا لافراغ غزة من اي قوة قادرة على المواجهة. واضاف ان المماطلة الاسرائيلية تعود لرفض تل ابيب للابعاد السياسية التي يتضمنها الاتفاق مثل فتح المعابر والاعمار.

واكدت حركة حماس رفضها القاطع لاي محاولات لنزع السلاح في ظل استمرار الاحتلال. واضاف المراقبون ان خطاب السلام الذي تتبناه واشنطن اصبح غطاء للممارسات الاسرائيلية على الارض. واوضح القرا ان هذه الذرائع غير واقعية وتهدف فقط الى اضفاء شرعية على استمرار العمليات العسكرية.

وختاما يبدو ان القطاع دخل في مرحلة جديدة من الصراع الذي تستخدم فيه لقمة العيش كاداة ضغط. واضاف المحللون ان الوعود بالازدهار تصطدم بواقع الضم العسكري المقنع. واكد الفلسطينيون انهم يعيشون اليوم تحت وطأة سيادة ناقصة وهدنة هشة لا تغني عن واقع الاحتلال شيئا.