توجه الفلسطينيون في الضفة الغربية ومدينة دير البلح بقطاع غزة نحو صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في الهيئات المحلية، وسط مشهد انتخابي اتسم بمشاركة متوسطة وتزكية لعدد كبير من المجالس. وبينما حرص كبار السن على ممارسة حقهم الانتخابي رغم حالة من الشكوك حول جدوى التغيير المنشود، شهدت مراكز الاقتراع تباينا في نسب الإقبال بين مدينة وأخرى.
واوضحت لجنة الانتخابات المركزية أن نسبة المشاركة بلغت قرابة 53.4%، حيث أدلى أكثر من نصف مليون مواطن بأصواتهم لاختيار مرشحيهم من بين آلاف المتنافسين. واضافت اللجنة أن 197 هيئة محلية حسمت نتائجها بالتزكية، مما يعكس غياب المنافسة في قطاعات واسعة من القرى والبلدات الفلسطينية.
وشدد مراقبون على أن المواطن الفلسطيني يبحث عن تحسين الخدمات في قريته بعيدا عن الحسابات السياسية الحزبية المعقدة. واكد ناخبون أن اختيارهم للمرشحين اعتمد على السمعة الشخصية والخدماتية بدلا من الانتماء العائلي أو السياسي الضيق.
تحديات المشاركة والظروف السياسية
وبينت المعطيات الميدانية أن مدنا كبرى مثل رام الله ونابلس اتجهت نحو التزكية، بينما غابت المنافسة تماما في قلقيلية. واشارت تقارير محلية إلى أن نسبة المشاركة في مدينة الخليل لم تتجاوز 30% رغم كثافتها السكانية العالية، وهو ما أرجعه محللون إلى أسباب سياسية ودينية واقتصادية متشابكة.
واكد المحلل السياسي أكرم النتشة أن الهموم اليومية للمواطن الفلسطيني، وارتفاع معدلات البطالة، والضغوط الناتجة عن ممارسات الاحتلال، جعلت من الانتخابات حدثا ثانويا في حياة الناس. واضاف أن اشتراط الاعتراف بالتزامات منظمة التحرير للترشح أدى إلى مقاطعة فصائل سياسية للعملية الانتخابية برمتها.
واوضح النتشة أن بعض القوى السياسية دعت جمهورها لعدم التصويت، في حين فضل مواطنون آخرون العزوف عن المشاركة لاعتبارات دينية ترى أن شروط الترشح لا تتماشى مع رؤيتهم. واكد أن تراجع المشاركة يبعث برسائل قوية حول حالة الإحباط الشعبي من الواقع السياسي الراهن.
تغييب القوائم والتدخلات الأمنية
وكشفت شهادات لمواطنين عن تعرض بعض المرشحين المستقلين لضغوط أمنية حالت دون إكمال قوائمهم الانتخابية في الموعد المحدد. واشار الأكاديمي محمد دويكات إلى أنه حاول تشكيل قائمة مستقلة في نابلس، لكن احتجاز أعضاء من قائمته أدى إلى إفشال جهود الترشح في اللحظات الأخيرة.
وبين دويكات أن هذه الممارسات أدت إلى حرمان آلاف الناخبين من حقهم في اختيار بدائل حقيقية، مما عزز من هيمنة التزكية على نتائج المجالس. واكد أن المطالبات بوقف العملية الانتخابية في بعض المناطق كانت تهدف لإتاحة الفرصة أمام تمثيل شعبي أوسع وأكثر شفافية.
واضافت تقارير ميدانية أن يوم الاقتراع لم يخل من مضايقات قوات الاحتلال، خاصة في الخليل ومحيط القدس، حيث تعمد الاحتلال عرقلة وصول المواطنين إلى مراكز الاقتراع وافتعال مواجهات ميدانية.
مستقبل العمل السياسي الفلسطيني
وأظهرت نتائج الانتخابات في دير البلح، التي جرت لأول مرة منذ سنوات طويلة، رغبة شعبية في المشاركة رغم الظروف الاستثنائية. واكد الناشط عمر عساف أن ربط الترشح ببرنامج منظمة التحرير يفرغ العملية من جوهرها الديمقراطي ويقصي أطيافا واسعة من المكونات السياسية والاجتماعية.
واوضح المحلل السياسي نهاد أبو غوش أن هذه الانتخابات تبدو وكأنها محاولة لإعادة إنتاج الواقع القائم بدلا من تغييره. واضاف أن غياب التعددية الحقيقية في ظل هذه الاشتراطات يلقي بظلاله على مستقبل أي انتخابات تشريعية أو رئاسية قادمة.
وخلص الأكاديمي أيمن يوسف إلى أن هذه التطورات تعكس ضغوطا خارجية ومحلية تهدف إلى ضبط المسار السياسي الفلسطيني في ظل استمرار تعثر المصالحة الوطنية. واكد أن مآلات هذه الانتخابات ستكون مؤشرا قويا على طبيعة التحولات السياسية المقبلة في مؤسسات السلطة والمنظمة.
