كشفت دراسة حديثة صادرة عن معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي عن تحولات جذرية ومقلقة في نظرة المجتمع الامريكي تجاه اسرائيل، حيث لم يعد الدعم الواسع والعابر للحزبين في واشنطن امرا مسلما به كما كان في السابق. واوضحت الدراسة ان الازمة الراهنة تتجاوز الانتقادات الاعلامية العابرة لتصل الى عمق القاعدة الاجتماعية والسياسية التي استندت اليها العلاقات التاريخية بين البلدين طوال عقود مضت. وبين الباحثون ان التراجع لم يعد مقتصرًا على الديمقراطيين بل امتد ليشمل قطاعات واسعة من الجمهوريين الشباب والانجيليين وحتى داخل اوساط اليهود الامريكيين انفسهم.

واضافت الدراسة التي حملت عنوان ازمة حادة في وضع اسرائيل في الولايات المتحدة، ان هناك تسارعًا ملحوظًا في الانحدار الشعبي منذ اندلاع الحرب في غزة وصولًا الى التوترات مع ايران. وشددت على ان قطاعات كبيرة من الامريكيين باتت تنظر الى اسرائيل بوصفها طرفًا يدفع الولايات المتحدة نحو صراعات خارجية لا تخدم المصالح الوطنية الامريكية، مما ادى الى تراجع صورتها لتصبح اكثر قربًا من الدول التي تعتبرها واشنطن خصومًا استراتيجيين لها. واكدت النتائج ان اسرائيل تحولت في الوعي الجمعي الامريكي من حليف بديهي الى طرف مثير للجدل والاستقطاب الحاد.

شعبية تتآكل بين الاجيال الصاعدة

وبينت الارقام ان حوالي 60 بالمئة من الامريكيين يحملون الان انطباعًا سلبيًا تجاه اسرائيل، وهي نسبة مرشحة للارتفاع مع استمرار الاحداث الجارية. واشارت الدراسة الى ان الفئات العمرية الشابة بين 18 و29 عامًا تظهر اعلى درجات النفور، حيث تصل نسبة النظرة السلبية الى 75 بالمئة، وتتجاوز ذلك لدى الديمقراطيين الشباب لتصل الى 85 بالمئة. واوضحت المعطيات ان المفاجأة الصادمة للاستراتيجية الاسرائيلية تمثلت في ان 64 بالمئة من الجمهوريين الشباب باتوا يتبنون مواقف سلبية، مما يضرب جوهر الرهان الاسرائيلي على الحزب الجمهوري كبديل دائم.

واضافت الدراسة ان هذا التآكل يطال ايضًا بيئات كانت تعتبر خزانات دعم تقليدية، مثل الانجيليين البيض دون سن الخمسين والكاثوليك، مما يعني ان الازمة بنيوية وليست مرتبطة بمرحلة سياسية عابرة. واكد الباحثون ان الاستراتيجية التي اتبعتها اسرائيل خلال العقد الاخير بتوثيق صلاتها بالتيارات المحافظة لم تعد قادرة على تعويض الخسارة المتراكمة في المعسكر الديمقراطي. وبينت ان الانحسار يمس شرائح اجتماعية متنوعة، مما يضع مستقبل الدعم الامريكي في مهب الريح على المدى الطويل.

تصدع في القاعدة اليهودية وضغط داخل الكونغرس

وكشفت الدراسة ان المجتمع اليهودي الامريكي يشهد انقسامًا غير مسبوق، حيث بات نحو 30 بالمئة من اليهود يميلون الى التعاطف مع الفلسطينيين اكثر من الاسرائيليين، وهي نسبة ترتفع بوضوح بين الشباب. واوضحت ان غالبية الناخبين اليهود عارضوا الخيارات العسكرية في الحرب مع ايران وفضلوا الحلول الدبلوماسية، معبرين عن مخاوفهم من تداعيات السياسات الاسرائيلية على وضعهم داخل الولايات المتحدة. واضافت ان هناك مطالب متزايدة لربط المساعدات العسكرية بمدى التزام اسرائيل بالقانون الامريكي.

واكدت الدراسة ان الضغط السياسي لم يعد مجرد خطاب اعلامي، بل انتقل الى اروقة الكونغرس، حيث صوت عدد كبير من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ لصالح تشريعات تقيد بيع اسلحة معينة مثل الجرافات والقنابل الثقيلة. وبينت ان اللجنة الامريكية للشؤون العامة الاسرائيلية المعروفة بـ ايباك لم تعد تتمتع بنفس النفوذ السابق، بل اصبحت في بعض الدوائر عبئًا سياسيًا يحتاج الى تبرير. واضافت ان حتى المعسكر الجمهوري بدأ يشهد سجالات علنية حول مدى جدوى الانخراط في الصراعات الاسرائيلية، مما يشير الى ان التأييد التلقائي لم يعد مسلمة ثابتة كما كان في السابق.