كشفت تقارير ميدانية حديثة عن حجم الدمار الهائل الذي طال القطاع الزراعي في غزة، حيث تحولت مساحات شاسعة من الاراضي المثمرة الى مناطق قاحلة نتيجة عمليات التجريف المستمرة. واكد خبراء في الامن الغذائي ان هذا الاستهداف لا يقتصر على الخسائر المادية المباشرة، بل يندرج ضمن استراتيجية اوسع تهدف الى ضرب مقومات الانتاج المحلي ودفع السكان نحو التبعية الكاملة للمساعدات الخارجية. واوضح مزارعون محليون ان ذكريات بساتين العنب والتين التي كانت تشكل سلة غذاء للقطاع باتت اليوم مجرد صور في هواتفهم، بعد ان دمرت الجرافات مصادر رزق الاف العائلات.

واشار المزارع ابو فارس الى ان محاولات اعادة احياء الارض لم تعد مجرد عمل زراعي، بل تحولت الى فعل صمود للتمسك بالهوية في وجه محاولات محو معالم الحياة في القطاع. واضاف ان الصعوبات التي يواجهها المزارعون في توفير المياه او الوصول الى حقولهم تعكس حجم المعاناة التي يعيشها القطاع يوميا وسط ظروف امنية بالغة التعقيد. وبين ان الاصرار على زراعة ما تبقى من اشجار هو رسالة تحدي في ظل واقع يفتقر الى ابسط مقومات الانتاج.

وذكرت بيانات وزارة الزراعة ان نسبة المساحات المزروعة تراجعت الى مستويات قياسية لا تتجاوز 15% من طاقتها الانتاجية السابقة. وشدد المزارعون على ان نقص البذور والاسمدة والمعدات اللازمة يضعهم امام حائط مسدود، مما يعمق ازمة الغذاء التي يعاني منها القطاع منذ سنوات طويلة. واكدت تقارير دولية ان اكثر من 94% من الاراضي الزراعية تعرضت للتدمير، مما ادى الى انهيار حاد في حجم المحاصيل السنوية.

تدمير ممنهج لمنظومة الغذاء في غزة

وكشف الدكتور فاضل الزعبي، خبير الامن الغذائي، ان ما يحدث في غزة هو استهداف مباشر للمنظومة الغذائية برمتها وليس مجرد اضرار جانبية. واظهرت بيانات مركز الامم المتحدة للاقمار الصناعية تضرر نحو 87% من الابار الزراعية والبيوت المحمية، مما جعل قطاعا كان يعيل مئات الالاف من الاشخاص عاجزا عن تقديم ابسط الاحتياجات. واوضح ان تدمير اكثر من 3.8 ملايين شجرة مثمرة، بما فيها اشجار الزيتون المعمرة، يمثل ضربة قاسية للبيئة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.

واضاف الزعبي ان هذا النهج يهدف الى تجفيف منابع البقاء وتحويل المجتمع الى كيان مستهلك بالكامل بدلا من ان يكون منتجا. وبين ان نداءات الاستغاثة التي اطلقتها المنظمات الدولية لتوفير التمويل اللازم للمزارعين لم تلق الاستجابة الكافية، حيث لم يتجاوز التمويل 10% من الاحتياجات المطلوبة. واكد ان تراجع اولويات المانحين في ظل الازمات العالمية ساهم في تعقيد المشهد الزراعي المتهالك.

وختم المزارعون حديثهم بالتاكيد على انهم سيظلون يحاولون استعادة جزء من ارضهم رغم كل المعوقات. واضافوا ان الامال لا تزال معلقة على استعادة القدرة الانتاجية التي كانت تشكل صمام امان للامن الغذائي في القطاع. وبينوا ان التمسك بالارض هو الخيار الاخير للبقاء في وجه محاولات هندسة الجوع التي تفرضها ظروف الحرب القاسية.