بقلم المهندس سمير سليمان 

يشهد العالم تطورًا متسارعًا في التقنيات الزراعية، بدءًا من الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة، مرورًا بأنظمة الزراعة الدقيقة وإنترنت الأشياء، وصولًا إلى الروبوتات الزراعية وتحليل البيانات الضخمة. وقد أسهمت هذه التقنيات في تحسين الإنتاجية، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز استدامة الإنتاج الزراعي في العديد من دول العالم.

غير أن نجاح أي تقنية في دولة ما لا يعني بالضرورة نجاحها في دولة أخرى، فلكل دولة ظروفها البيئية والاقتصادية والاجتماعية التي تحدد مدى ملاءمة التكنولوجيا لواقعها. ومن هنا، فإن الزراعة الأردنية تحتاج إلى التعامل مع التقنيات الحديثة بعقلية علمية تقوم على التقييم والاختيار، لا على الانبهار بكل جديد.

فالأردن يواجه تحديات خاصة، في مقدمتها شح المياه، وارتفاع كلف الإنتاج، وصغر الحيازات الزراعية، والتغيرات المناخية، ومحدودية الموارد الطبيعية. لذلك، قد لا تكون بعض التقنيات المتقدمة مجدية اقتصاديًا أو فنيًا في البيئة الأردنية، بينما قد تحقق تقنيات أبسط وأكثر ملاءمة أثرًا أكبر في تحسين الإنتاج وتعزيز استدامة القطاع الزراعي.

إن معيار نجاح التكنولوجيا الزراعية لا يتمثل في حداثتها، وإنما في قدرتها على حل مشكلة حقيقية يواجهها المزارع، وتحقيق عائد اقتصادي وبيئي مستدام. فالتقنية التي توفر المياه، أو تقلل استهلاك الطاقة، أو تخفض كلف الإنتاج، أو تحسن جودة المنتج، هي التقنية التي تستحق الاستثمار والتوسع في استخدامها.

وهنا يبرز الدور الحيوي للبحث العلمي، الذي يشكل حلقة الوصل بين الابتكارات العالمية واحتياجات الزراعة الأردنية. فالمراكز البحثية والجامعات ليست مجرد مؤسسات لإنتاج المعرفة، بل هي جهات قادرة على اختبار التقنيات الحديثة تحت الظروف المحلية، وتقييم كفاءتها، وتحليل جدواها الاقتصادية، قبل نقلها إلى المزارعين أو التوصية بتبنيها. كما أن التعاون بين هذه المؤسسات والقطاع الخاص والتعاونيات الزراعية يسهم في تسريع نقل المعرفة وتحويل نتائج الأبحاث إلى تطبيقات عملية.

وفي هذا السياق، تمتلك حاضنة الابتكار وريادة الأعمال الزراعية في المركز الوطني للبحوث الزراعية مقومات تؤهلها لتكون إحدى الأدوات المهمة في دعم منظومة الابتكار الزراعي في الأردن. ومع تطوير برامجها، وتعزيز شراكاتها، وتوسيع نطاق خدماتها، يمكن أن تسهم بصورة أكبر في احتضان الأفكار الريادية، وربط الباحثين بالمستثمرين، وتحويل المخرجات البحثية إلى مشاريع وتقنيات تخدم القطاع الزراعي.

ولعل من الأمثلة الأردنية المميزة على توطين التكنولوجيا الزراعية تجربة الشاب الريادي أحمد مياس، مؤسس مؤسسة مياس لأنظمة الزراعة المائية ورئيس جمعية مسافات بلا حدود الزراعية، الذراع التدريبي للمؤسسة. فقد نجح في نقل تقنيات الزراعة المائية من إطارها التقني المتخصص إلى تطبيقات عملية تناسب البيئة الأردنية، وأسهم في نشرها وتدريب المزارعين والمهتمين عليها في مختلف أنحاء المملكة. كما تعكس تجربته، التي تزامنت مع مشاركته في بدايات حاضنة الابتكار وريادة الأعمال في المركز الوطني للبحوث الزراعية، أهمية توفير بيئة داعمة للمبتكرين، وتشجيع الشراكة بين البحث العلمي وريادة الأعمال، بما يسهم في تحويل المعرفة إلى حلول عملية تخدم القطاع الزراعي. وتؤكد هذه التجربة أن توطين التكنولوجيا لا يعني استيرادها كما هي، بل تكييفها وتبسيطها وتطويرها بما يتوافق مع احتياجات المزارع الأردني وظروفه.

كما أن تطوير منظومة الابتكار الزراعي سيسهم في تشجيع ابتكار حلول أردنية تتلاءم مع البيئة المحلية، مثل أنظمة الري الذكية منخفضة الكلفة، والتطبيقات الرقمية للإرشاد الزراعي، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة المحاصيل وتشخيص الآفات والأمراض النباتية، بما يعزز الاعتماد على الابتكار الوطني، ويزيد من قدرة القطاع الزراعي على مواكبة التطورات العالمية.

ولتحقيق ذلك، لا بد من بناء منظومة متكاملة تجمع بين وزارة الزراعة، والمركز الوطني للبحوث الزراعية، والجامعات، والقطاع الخاص، والتعاونيات الزراعية، والجهات التمويلية، بحيث تتحول نتائج الأبحاث إلى تقنيات قابلة للتطبيق، وتتحول الأفكار الريادية إلى مشاريع إنتاجية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل نوعية للشباب.

ولا ينبغي أن يقتصر طموح الأردن على استيراد التكنولوجيا الزراعية، بل يجب أن يمتد إلى تطويرها وتوطينها، والاستفادة من الخبرات الوطنية في ابتكار حلول تناسب البيئات الجافة وشبه الجافة. فالأردن يمتلك كفاءات علمية وبحثية متميزة، وخبرات متراكمة في إدارة الزراعة تحت ظروف شح المياه، وهي مقومات تؤهله ليكون مركزًا إقليميًا لتطوير التقنيات الزراعية الملائمة، وتصدير المعرفة والحلول إلى الدول التي تواجه تحديات مشابهة.

إن مستقبل الزراعة الأردنية لن يُبنى بشراء أحدث التقنيات، بل ببناء القدرة الوطنية على اختيارها وتطويرها وتكييفها مع احتياجاتنا. فالتكنولوجيا ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق زراعة أكثر كفاءة واستدامة، وتعزيز الأمن الغذائي، ودعم الاقتصاد الوطني.

إن الاستثمار في البحث العلمي، وتمكين الرياديين، وتطوير منظومة الابتكار الزراعي، لم يعد خيارًا، بل أصبح ركيزة أساسية لبناء قطاع زراعي قادر على مواجهة تحديات المستقبل، وتحويل المعرفة إلى إنجاز، والابتكار إلى تنمية، والطموح إلى واقع.