تثير التحركات الامريكية الاخيرة بفرض رسوم جمركية تصل الى خمسين بالمئة على مجموعة واسعة من السلع الكندية حالة من القلق العميق في الاوساط الاقتصادية والسياسية في كندا، حيث يرى مراقبون ان هذه الخطوة قد تتجاوز كونها مجرد اجراء تجاري لتصبح اداة ضغط سياسي وتفاوضي تستهدف اعادة صياغة موازين القوى في اتفاقيات التجارة العابرة للحدود. وتشمل قائمة السلع المستهدفة منتجات متنوعة مثل الاخشاب والمنتجات الزراعية والعطور والشموع وحتى بعض الادوات المنزلية، مما يضع العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الكندي في مواجهة مباشرة مع تحديات وجودية قد تؤدي الى تراجع الانتاج وتسريح العمال.

واشار خبراء اقتصاديون الى ان هذه الرسوم ستؤثر بشكل مباشر على صادرات كندية تقدر بمليارات الدولارات سنويا، وهو ما قد يؤدي بدوره الى تباطؤ ملحوظ في معدلات النمو الاقتصادي للبلاد خلال السنوات القادمة، خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي باتت تهيمن على المشهد التجاري الدولي. واكد راندال بارتليت، نائب كبير الاقتصاديين في احدى المؤسسات المالية الكبرى، ان هذه الاجراءات قد تدفع الشركات الى تجميد خطط التوسع والاستثمار، مما ينعكس سلبا على قدرة السوق الكندي على خلق فرص عمل جديدة في المدى المنظور.

وبين تقرير مفصل ان هذه الخطوة الامريكية لم تستثنِ السلع التي كانت معفاة سابقا بموجب اتفاقيات تجارية سابقة، مما يفتح الباب امام جولة جديدة من المفاوضات الشاقة التي قد تستغرق سنوات طويلة للوصول الى ارضية مشتركة. وشدد مسؤولون كنديون على ان هذا النوع من الضغوط يعيق العمل الجماعي في القارة الشمالية، خاصة في وقت تسعى فيه واشنطن للوصول الى موارد طبيعية ومعادن استراتيجية كندية، مما يخلق تناقضا واضحا بين الرغبة في التعاون الاقتصادي والتوجه نحو الحمائية التجارية.

مستقبل العلاقات التجارية بين واشنطن واوتاوا

واوضح فين اوسلر هامبسون، المتخصص في العلاقات الدولية، ان الادارة الامريكية قد تستخدم هذه الرسوم كورقة تفاوضية لانتزاع تنازلات في ملفات تجارية عالقة، محذرا من الانجرار نحو حروب تجارية انتقامية قد تضر الاقتصاد الكندي الاصغر حجما بشكل اكبر. واضاف ان الحكمة تقتضي الموازنة بين الدفاع عن المصالح الوطنية وتجنب التصعيد المباشر الذي قد يؤدي الى نتائج عكسية على المستهلكين والعمال في كلا البلدين.

واكد دينيس باربي، المدير التنفيذي لجمعية المصنعين والمصدرين الكنديين، ان هذه الرسوم ستؤدي حتما الى رفع تكاليف الانتاج وتعطيل سلاسل التوريد المشتركة، وهو ما يضعف القدرة التنافسية لشركات امريكا الشمالية في الاسواق العالمية. واشار في سياق متصل الى ضرورة تعزيز القاعدة الصناعية المشتركة بدلا من فرض قيود تعرقل نمو القطاعات الحيوية التي تعتمد على التكامل بين البلدين الجارين.

وكشفت التطورات الاخيرة عن وجود تواصل دبلوماسي مكثف بين الطرفين، حيث اتفق رئيس الوزراء الكندي مع الرئيس الامريكي على تكثيف المحادثات التجارية في محاولة لاحتواء الازمة قبل دخول الرسوم حيز التنفيذ الكامل. واختتمت الجهات المعنية تصريحاتها بالتأكيد على ان الحل الامثل يكمن في الحوار البناء الذي يحفظ حقوق العمال ويضمن استقرار الاسواق بعيدا عن سياسات التهديد والرسوم المتبادلة.