تحولت الرسوم الجمركية التي أقرتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من مجرد أداة للضغط السياسي إلى واقع اقتصادي ملزم يفرض تحديات كبيرة على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. وتهدف هذه الخطوة في جوهرها إلى إعادة صياغة قواعد الوصول للأسواق الأمريكية، مع تحولها تدريجيا إلى وسيلة لردع ومعاقبة الدول التي تحاول البحث عن بدائل تجارية مستقلة عن الهيمنة الأمريكية.

وأعلنت واشنطن مؤخرا عن فرض رسوم جمركية جديدة تتراوح بين 10% و12.5% على السلع المستوردة من 60 شريكا تجاريا، بما في ذلك الصين والاتحاد الأوروبي. وأوضحت الإدارة الأمريكية أن هذا القرار يأتي ردا على ما وصفته بتقاعس تلك الدول عن الحد من الواردات المرتبطة بالعمل القسري، وذلك بالتزامن مع انتهاء العمل بالرسوم المؤقتة السابقة.

ويؤكد مراقبون أن هذه السياسات تأتي ضمن مشروع استراتيجي أوسع يضمن للولايات المتحدة الحصول على مقابل مادي عادل نظير خدمات القوة العظمى التي تقدمها للعالم. ويشمل ذلك الاستفادة القصوى من السوق الاستهلاكية الأمريكية الضخمة والشبكات التكنولوجية والقدرات الدفاعية التي تظل ركيزة أساسية في العلاقات الدولية.

استراتيجية الهيمنة الاقتصادية الامريكية

وبين محللون أن النظر إلى هذه الرسوم كإجراءات حمائية تقليدية يعد تبسيطا مخلا، فهي جزء من استراتيجية شاملة لتعزيز النفوذ الأمريكي عالميا. وأضافوا أن هذه الاستراتيجية تسعى إلى دفع تدفقات مالية أكبر نحو السوق الأمريكية وإلزام الحلفاء بزيادة استثماراتهم داخل الولايات المتحدة، فضلا عن الضغط عليهم لرفع ميزانياتهم الدفاعية عبر شراء المزيد من الأسلحة الأمريكية.

وكشفت البيانات الاقتصادية عن نجاح جزئي لهذه التوجهات، حيث سجلت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى الداخل الأمريكي مستويات قياسية خلال الفترة الماضية. وأشارت التقارير إلى أن قطاعات الخدمات المالية والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية حققت إيرادات خارجية ضخمة أسهمت بشكل ملموس في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.

وحذر خبراء من أن الاستمرار في هذا النهج قد يدفع الشركاء التجاريين إلى تسريع البحث عن بدائل استراتيجية بعيدة عن المظلة الأمريكية. وأوضحوا أن هذا التوجه قد يشمل تطوير أنظمة دفع مستقلة أو البحث عن حلول دفاعية بديلة، رغم الضغوط المكثفة التي تمارسها واشنطن على عواصم العالم.

تصاعد التوتر بين واشنطن وبروكسل

وواصل ترمب تصعيده ضد الاتحاد الأوروبي مهددا بفرض رسوم إضافية ردا على الغرامات التي فرضتها بروكسل مؤخرا على شركات التكنولوجيا الأمريكية مثل غوغل. وشدد الرئيس الأمريكي في تصريحاته على أن التكتل الأوروبي سيدفع ثمنا باهظا لما وصفه بالسلوك غير القانوني، مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تستمر في لعب دور حصالة النقود لأوروبا.

وأكدت الإدارة الأمريكية أنها ستشرع فورا في تحقيقات بموجب المادة 301 من قانون التجارة للرد على ما تعتبره نهبا أوروبيا للشركات الأمريكية. وبين الممثل التجاري الأمريكي أن هذه الإجراءات الأوروبية تشكل خطرا حقيقيا على استقرار العلاقات عبر الأطلسي وتخلق حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل التجارة الدولية.

وأظهرت التطورات الأخيرة أن القانون الأوروبي للأسواق الرقمية أصبح نقطة صدام رئيسية، حيث تراه واشنطن أداة تستهدف عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين. وأوضح مسؤولون أمريكيون أن هذا النوع من العقوبات التجارية لا يعيق المنافسة العادلة فحسب، بل يثير شكوكا جوهرية حول التزام الاتحاد الأوروبي بالشفافية في التعاملات التجارية مع الولايات المتحدة.