يشهد المشهد الاستثماري الاميركي تحولا جذريا في استراتيجيات توزيع الاصول حيث بدأ كبار المستثمرين في الابتعاد عن السندات التي كانت تمثل يوما ما الملاذ الامن لتخفيف حدة تقلبات الاسهم. ويدفع التضخم المستمر والاقتراض الحكومي المتزايد مديري المحافظ الى اعادة النظر في جدوى ادوات الدخل الثابت التي فقدت بريقها كاداة للتحوط في ظل بيئة اقتصادية تتسم بالضبابية وعدم اليقين. واظهرت التحركات الاخيرة ان التوجه نحو الاصول الحقيقية مثل العقارات والسلع والائتمان الخاص اصبح هو الخيار المفضل لحماية الثروات من تآكل القوة الشرائية.

واكد خبراء الاسواق ان السندات لم تعد تلعب دور التأمين الذي اعتاد عليه المستثمرون خاصة عندما ترتفع معدلات التضخم وتصبح العلاقة بين الاسهم والسندات طردية بدلا من عكسية. واوضح فيل بلانكاتو كبير استراتيجيي الاسواق ان فكرة الاعتماد على السندات كاداة موازنة للمخاطر تلاشت في ظل الظروف الراهنة مما دفع شركات كبرى الى خفض وزن الدخل الثابت في محافظها التقليدية لصالح اصول اكثر مرونة وقدرة على الصمود امام الصدمات الاقتصادية.

وبينت البيانات الحديثة ان حصة صناديق الدخل الثابت من اجمالي المحافظ الاستثمارية شهدت تراجعا ملحوظا لتسجل ادنى مستوياتها في سنوات طويلة. واضافت تقارير متخصصة ان المستثمرين لم يعودوا يثقون في العوائد طويلة الاجل للسندات في ظل ضغوط التضخم وضعف العملة وتزايد المعروض الذي يبتلع الطلب مما يجعل الاستثمار لاجال تتجاوز خمس سنوات محفوفا بالمخاطر وغير مجد مقارنة بالفرص المتاحة في قطاعات اخرى.

استراتيجيات جديدة للتحوط من تقلبات التضخم

وكشفت مؤسسات مالية كبرى عن توجهها نحو الاستثمار في البنية التحتية والموارد الطبيعية والاصول الملموسة التي تستمد قيمتها من خصائصها الجوهرية. واضافت ان هذه الاصول اثبتت جاذبية عالية منذ موجات التضخم الاخيرة حيث حققت السلع الاساسية والموارد الطبيعية عوائد تفوقت بشكل واضح على استقرار عوائد سندات الخزانة الاميركية مما يعزز قناعة المستثمرين بان التوزيع الجغرافي والقطاعي اصبح ضرورة لا غنى عنها.

وشددت جين بندر كبيرة استراتيجيي الاستثمار العالمي على ان الدخل الثابت بات الخاسر الاكبر في معادلة التضخم الحالية. واوضحت ان المستثمرين عند تقليل انكشافهم على الاسهم لم يعودوا يتجهون الى السندات كوجهة اولى كما كان الحال في السابق بل يفضلون التوجه نحو الاصول الحقيقية التي توفر حماية اكبر ضد تقلبات السوق والضغوط التضخمية التي تفرضها السياسات المالية والنقدية العالمية.

واكدت توجهات صناديق التقاعد الكبرى مثل نظام تقاعد ولاية فيرجينيا ان هناك تحولا هيكليا في السياسات الاستثمارية نحو الائتمان والعقارات الخاصة والرافعة المالية لتعزيز صمود المحافظ. واشار مسؤولو الاستثمار الى ان الارتباطات التاريخية بين فئات الاصول لم تعد قائمة مما يستوجب تبني استراتيجيات اكثر نشاطا لا تعتمد على النماذج التقليدية التي ثبت قصورها في التعامل مع سيناريوهات التضخم المتلاحقة.