يواجه قطاع المياه في الاردن تحديات معقدة تتجاوز مجرد ندرة الموارد الطبيعية لتصل الى استنزاف ممنهج عبر اعتداءات يومية تطال كافة مفاصل الشبكة المائية. وكشفت احدث البيانات الرسمية ان حجم التعديات بات يشكل ظاهرة مقلقة تمتد من الوصلات المنزلية البسيطة وصولا الى الخطوط الناقلة الاستراتيجية مثل خط الديسي وقناة الملك عبدالله والابار الجوفية. واظهرت الارقام ان هذه الممارسات غير القانونية تقف خلف نحو سبعين بالمئة من فاقد المياه في المملكة مما يضع ضغوطا هائلة على منظومة التزويد المائي التي تعاني اصلا من شح الموارد.

واوضحت التقارير الميدانية ان حملة احكام السيطرة على مصادر المياه التي انطلقت منذ سنوات طويلة سجلت اكثر من مئة وثلاثة وثلاثين الف اعتداء على الخطوط الرئيسية والناقلة. واضافت البيانات ان هذه التعديات لا تقتصر على سرقة المياه للاستخدام الشخصي بل تحولت في كثير من الاحيان الى نشاط تجاري مربح عبر تعبئة الصهاريج من مصادر غير مشروعة وبيعها في السوق السوداء. وبينت الوزارة ان استمرار هذه الانتهاكات يستنزف ملايين الامتار المكعبة سنويا التي كان من المفترض ان تصل للمواطنين والقطاعات الانتاجية.

واكدت الجهات المعنية ان المسار القانوني يسير بالتوازي مع الحملات الميدانية حيث لا تزال اكثر من الف ومئتي قضية عالقة امام المحاكم بانتظار البت فيها. وشددت الوزارة على انها مستمرة في ردم الابار المخالفة وحجز الحفارات التي تستخدم في عمليات الحفر غير المرخص للحد من استنزاف المياه الجوفية. واشار مراقبون الى ان هذه الاعتداءات تمثل تهديدا مباشرا للامن المائي الوطني وتتطلب تكاتف الجهود المجتمعية مع الجهود الرسمية للحد من هذه الظاهرة.

خط الديسي والاعتداءات الجسيمة على المصادر الحيوية

واعتبر خط مياه الديسي من اكثر المصادر تعرضا للاعتداءات المتكررة نظرا لاهميته الاستراتيجية في تزويد مناطق واسعة بالمياه. واضافت المصادر ان هناك مئات الاعتداءات التي يتم ضبطها سنويا على طول هذا الخط الحيوي مما يضطر الفرق الفنية للتدخل بشكل دائم لاصلاح الاعطال ومنع هدر المياه. واوضحت ان كل اعتداء على هذه الخطوط لا يسبب خسارة مالية فحسب بل يؤدي الى اضطراب في ادوار التوزيع المائي لملايين المواطنين.

وبينت الارقام ان محافظات الوسط سجلت اعلى نسب للمياه المتأثرة بالاعتداءات خلال الفترة الماضية متفوقة بذلك على محافظات الشمال والجنوب. واشار خبراء الى ان التفاوت في حجم الاعتداءات يعكس طبيعة التحديات في كل منطقة ومدى الحاجة الى تعزيز الرقابة الذكية والتقنيات الحديثة في مراقبة التدفقات. واكدت الوزارة ان تركيب العدادات الذكية وتحديث الشبكات يعد جزءا لا يتجزأ من خطتها الاستراتيجية لتقليل الفاقد المائي وضمان وصول المياه لمستحقيها.

واوضحت البيانات ان انخفاضا ملموسا طرأ على الاعتداءات المنزلية في بعض الفترات نتيجة تكثيف الحملات التفتيشية والاجراءات الردعية. واضافت ان الوزارة نجحت في خفض نسبة الفاقد المائي الاجمالي بنحو عشرة بالمئة خلال العام الماضي وهو مؤشر ايجابي يدفع نحو الاستمرار في نهج الملاحقة القانونية. وشددت على ان الهدف النهائي هو الوصول بنسبة الفاقد الى مستويات قياسية بحلول العقدين القادمين من خلال تحديث شامل للبنية التحتية.

الاطار القانوني والاصلاح الهيكلي لقطاع المياه

وقال خبراء قانونيون ان التشريعات الحالية غلظت العقوبات بحق المعتدين على مصادر المياه لتصل الى الحبس والغرامات المالية الباهظة. واضافوا ان الحالات الجسيمة التي تمس الامن المائي قد يتم تكييفها قانونيا لتصبح تحت طائلة قوانين اكثر صرامة نظرا لخطورة الفعل على الموارد الوطنية. وبينوا ان القضاء الاردني يتعامل بحزم مع هذه القضايا لضمان عدم تكرارها ولتكون رادعا لكل من تسول له نفسه العبث بمقدرات الدولة.

واكد اعضاء في مجلس الاعيان ان المعالجة لا تقف عند حدود العقوبات بل تحتاج الى اصلاح جذري ينهي حالة التساهل التي تراكمت عبر عقود. واضافوا ان حل مشكلة الابار المخالفة يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تنهي ظاهرة منح الاعفاءات وتطبق القانون بعدالة على الجميع دون استثناء. واوضحوا ان الرقابة المستمرة هي صمام الامان الوحيد لحماية المياه من التغول.

وختمت الوزارة بالتأكيد على ان كل متر مكعب يتم توفيره من خلال ضبط الاعتداءات يعادل في قيمته البحث عن مصادر مائية جديدة مكلفة جدا. واضافت ان استراتيجية العمل حتى عام الفين واربعين ترتكز على محورين متوازيين هما التحديث الفني للشبكات والمواجهة الحازمة للاعتداءات. وبينت ان تحقيق الامن المائي هو مسؤولية جماعية تتطلب وعيا مجتمعيا بخطورة هدر المياه وسرقتها على مستقبل الاجيال القادمة.