روان صفيرة : 

 

في غزة، حيث أصبح الفقد جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، وحيث يودّع الناس أحباءهم واحدًا تلو الآخر، ما زال هناك من يصرّ على أن للحياة وجهًا آخر، وأن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون فعل مقاومة، وأن إدخال الفرح إلى قلب إنسان موجوع قد يكون في حد ذاته انتصارًا.

من بين هؤلاء يبرز الصحفي الفلسطيني محمد شاهين، الذي عاش الحرب بكل تفاصيلها، وشهد وجع غزة وودّع شهداء من الأهل والأصدقاء والزملاء، لكنه لم يسمح لكل هذا الألم أن يطفئ داخله صوت الصحفي الحر، ولا حسّ الإنسان الذي يشعر بوجع أبناء شعبه.

محمد شاهين لم يختر طريقه من خلف المكاتب، بل اختار أن يكون قريبًا من الناس، أن يسمع حكاياتهم، وأن ينقل معاناتهم، وأن يبقى حاضرًا في الميدان شاهدًا على ما يجري في قطاع غزة.

وفي الفترة الأخيرة، لم يكتفِ شاهين بنقل أخبار الحرب والمجازر والمعاناة، بل بدأ يبحث عن الجانب الإنساني الذي يحتاجه أهل القطاع وسط هذا الركام؛ فراح يصنع لحظات بسيطة من الفرح، وينظم مسابقات خفيفة لأبناء غزة، ويقدم للفائزين مبالغ مالية قد تصل إلى ألفي شيكل، في محاولة منه لرسم ابتسامة على وجوه أنهكتها الحرب.

لكن الأجمل في مبادراته أنه لا يتعامل معها كاستعراض عابر، بل يدرس الحالات الإنسانية قبل الوصول إليها، ويعرف تفاصيل أصحابها وحاجاتهم.

فهذا أب يرعى ابنته المقعدة على كرسي متحرك، ويتنقل بها من مكان إلى آخر، حاملاً معها عبء الحياة والتعب، فيذهب إليه شاهين لا ليسأله عن معاناته فقط، بل ليشاركه شيئًا من هذا الحمل، ويمنحه لحظة يشعر فيها أن هناك من يرى تعبه ويقدّره.

وفي قصة أخرى، كانت هناك امرأة تبيع المستلزمات والحلوى من خلال بسطة صغيرة، ولديها دفتر ديون لأشخاص أخذوا حاجاتهم ولم يتمكنوا من السداد. لم يكتفِ شاهين بتوثيق قصتها، بل تكفّل بسداد الديون التي أثقلت كاهلها، في مشهد يختصر معنى أن تكون الصحافة قريبة من الإنسان.

هنا تتجلى قيمة الصحفي الحقيقي؛ فالصحافة ليست كاميرا وميكروفونًا فقط، وليست نقلًا للخبر من مكان إلى آخر، بل مسؤولية وضمير وانحياز للإنسان وحقه في الحياة والكرامة.

محمد شاهين نموذج لشاب فلسطيني لم تستطع الحرب أن تنتزع منه إنسانيته، ولم ينجح الموت المتكرر من حوله في دفعه إلى الصمت أو الاستسلام.

فهو من جهة يوثّق المجازر، وينقل صوت المظلوم، ويكشف للعالم حجم المعاناة التي يعيشها أهل غزة، ومن جهة أخرى يحاول أن يصنع نافذة صغيرة للأمل، ويمنح الناس سببًا بسيطًا للابتسام في زمن أصبح فيه الفرح نادرًا.

وفي غزة، لا يحتاج الناس دائمًا إلى الكثير؛ أحيانًا يحتاجون فقط إلى من يسمعهم، من يطرق بابهم، من يقول لهم: "أنا أرى تعبكم، وأشعر بكم، ولستم وحدكم."

وهذا ما يجعل تجربة محمد شاهين جديرة بالتوقف عندها؛ لأنها تؤكد أن الصحفي يستطيع أن يكون شاهدًا على الألم، وفي الوقت ذاته حاملًا للأمل.

محمد شاهين.. صحفي لم يترك غزة حين اشتد وجعها، ولم يترك أهلها حين ضاقت بهم الحياة.

ظل يحمل كاميرته وكلمته، ينقل الحقيقة، ويدافع عن أرضه وأهله، ويقف إلى جانب المظلوم، وفي الوقت نفسه يزرع الفرح حيث يستطيع.

ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في حقه: إنك لا تحتاج أن تبحث بعيدًا عن معنى الصحافة الحرة؛ يكفي أن تنظر إلى صحفي اختار، وسط الحرب والموت، أن يكون صوتًا للحقيقة ويدًا تمتد إلى المحتاج وقلبًا ينبض بأهل وطنه.

محمد شاهين.. مثال للشاب الخلوق، والصحفي الحر، والإنسان الذي لم تنجح الحرب في كسر إرادته.

ولأهل غزة نقول: رغم كل ما مررتم به، ما زال فيكم من يصنع الأمل، وما زالت بينكم قلوب ترفض أن تموت فيها الرحمة.

ولمحمد شاهين نقول: الله يجبر بخاطرك، ويقويك، ويحفظك، ويكتب لك الأجر على كل ابتسامة صنعتها في وجه إنسان موجوع، وعلى كل مظلوم أوصلت صوته، وعلى كل حقيقة حملتها إلى العالم.

فقد تكون الكلمة موقفًا، وقد تكون الكاميرا شهادة، وقد تكون يد الإنسان الممتدة إلى إنسان آخر هي أجمل صورة يمكن أن تلتقطها الصحافة.