شهدت الساحة السياسية في اسرائيل تحولا جوهريا في التعامل مع القضية الفلسطينية التي تراجعت عن كونها ملفا للتسوية لتصبح اداة مركزية في التعبئة الانتخابية. وتكشف القراءات السياسية ان الاحزاب الصهيونية لم تعد تضع حل الدولتين او اي افق سياسي على اجندتها بل باتت تستخدم خطاب القوة والانتقام كركيزة لاستقطاب الشارع وتجاوز الاخفاقات الامنية المتلاحقة. واظهرت التطورات الميدانية ان المؤسسة السياسية تقود نهجا يهدف الى فرض وقائع جغرافية جديدة على الارض في الضفة الغربية بدلا من البحث عن مخارج سياسية للازمة.
واوضحت التقديرات الامنية ان الضفة الغربية تقف على اعتاب انفجار كبير نتيجة الضغوط الممنهجة التي تمارسها الحكومة الحالية. وبينما تحذر الاجهزة العسكرية من تداعيات هذا المسار. يصر المستوى السياسي على المضي قدما في اجراءات ضم الاراضي وتعميق السيطرة. واكد مراقبون ان هذا التباين يعكس رغبة الحكومة في تحويل الجغرافيا الى حقائق سياسية لا يمكن التراجع عنها لاحقا.
وكشفت التحليلات ان اليسار الصهيوني نفسه لم يعد يمتلك رؤية حقيقية للسلام. اذ ان اتفاقيات الماضي كانت تهدف الى ادارة الصراع لا حله بشكل عادل. واضاف الباحثون ان هناك اجماعا ضمنيا داخل المنظومة الحزبية على رفض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة. مما جعل من السيطرة الميدانية بديلا وحيدا عن العملية السياسية المتوقفة.
تحولات في خطاب اليمين واليسار
وبين الباحث انطوان شلحت ان تغييب القضية الفلسطينية ليس وليد اللحظة بل هو نتاج عقدين من التغيير في بنية المجتمع الاسرائيلي. واشار الى ان الاحزاب باتت تتعامل مع الفلسطينيين كورقة ضغط انتخابي فقط. واوضح ان الحكومات انتقلت من مرحلة ادارة الصراع الى محاولة حسمه بشكل نهائي عبر مأسسة التمييز والفصل في الضفة الغربية.
واكد شلحت ان خطاب الانتقام الذي تصاعد بعد الاحداث الاخيرة يعمل كغطاء استراتيجي للاخفاقات العسكرية. وشدد على ان حكومة نتنياهو تستغل حالة الاستنفار الشعبي لشرعنة اجراءات استيطانية واسعة النطاق. واضاف ان هذه السياسة تستهدف اختراق المناطق المصنفة فلسطينية لضمان عدم وجود اي فرصة للتفاوض في المستقبل.
وكشف المحللون ان السعي للحسم على الارض اصبح العقيدة الجديدة لليمين المتطرف. واشاروا الى ان هناك محاولات حثيثة لفرض امر واقع ينهي اي وجود سياسي فلسطيني مستقل. وبينوا ان هذه الخطوات تاتي في ظل غياب تام لاي بديل سياسي جدي داخل المعارضة الاسرائيلية.
الوجود الفلسطيني كهدف ايديولوجي
واكد الباحث امير مخول ان التطورات الجارية تعكس تحولا ايديولوجيا عميقا في عقيدة الاحزاب الصهيونية. واضاف ان استهداف الوجود الفلسطيني اصبح ركنا اساسيا في البرامج الحزبية المتطرفة. وشدد على ان نقل مركز الثقل من غزة الى الضفة ياتي في اطار مشروع سياسي شامل يهدف الى اعادة رسم خارطة السيطرة.
وبين مخول ان دخول شخصيات عسكرية سابقة الى المعترك السياسي يعزز من هذا التوجه المتشدد. واوضح ان هؤلاء القادة يسعون لتقديم بدائل انتخابية اكثر تطرفا من القيادات الحالية. واكد ان هذا التنافس على التشدد يفاقم من حدة الاوضاع ويغلق ابواب الحلول السياسية تماما.
وكشفت القراءات السياسية ان مفهوم الفوقية بات يحرك ممارسات الاحزاب الجديدة. واضاف الباحث ان هذا الخطاب لا يتجاهل فقط حقوق الفلسطينيين في تقرير المصير بل يحاول محو وجودهم كشعب صاحب حق. واكد ان المستقبل السياسي في اسرائيل يتجه نحو مزيد من الانغلاق والعدائية تجاه اي طرح سلمي.
مستقبل الانتخابات والسياسة الاسرائيلية
واشار المراقبون الى ان الانتخابات القادمة لن تحمل بالضرورة تغييرا جوهريا في التعامل مع القضية الفلسطينية. وبينوا ان غياب برنامج سياسي موحد لدى المعارضة يجعل من التغيير امرا بعيد المنال. واكدوا ان الحراك الميداني والدولي سيظل هو العامل الاكثر تاثيرا في ظل انسداد الافق السياسي.
واضاف المحللون ان الضفة الغربية ستظل ساحة الاختبار الاهم للسياسات الاسرائيلية خلال المرحلة المقبلة. وشددوا على ان استمرار نهج الضم والسيطرة سيقود المنطقة الى مستويات جديدة من التصعيد. وبينوا ان الواقع الميداني اصبح يفرض نفسه على كافة الحسابات السياسية.
واكدت الخلاصات السياسية ان القضية الفلسطينية تحولت الى ضحية لصراعات السلطة الداخلية في اسرائيل. واضافوا ان الخروج من هذا المسار المسدود يتطلب ضغطا حقيقيا يتجاوز الخطابات الانتخابية. وشددوا على ان التحديات الوجودية التي يواجهها الفلسطينيون تتطلب رؤية استراتيجية لمواجهة هذا التطرف المتصاعد.
